افتتاحية

سؤال

بعد عامين على انطلاق الربيع العربي، وتسلم الاسلاميين الحكم في كل من مصر وتونس، كيف هو الوضع الان؟ سؤال يفتح الباب على كم من الحقائق التي تؤشر على مستقبل الحالة التي تغنت بها الشعوب، اعتقاداً بانها ستنقلهم الى حالة نوعية من الحرية والديمقراطية قبل ان يكتشف هؤلاء بأن الامور ليست برسم التغيير، وبأن الاوضاع يمكن ان تكون على حالها بالنسبة الى المتفائلين. وفي طريق الانحدار بالنسبة الى غيرهم.
محور هذا التفكير وصول الاسلاميين الى الحكم وسط حالة من التفاؤل الذي لم يصمد طويلاً امام كم الحقائق التي تشير الى قدر من الفجيعة، محورها ان الاسلاميين اسهموا في «تخريب» الربيع العربي، واعادوا المنطقة طويلاً الى الخلف.
ومع ان ما يجري عزز من فرضية «المؤامرة» التي يعمل البعض على تسويقها والترويج لها من زاوية انه لم يكن هناك ربيع عربي اصلاً، وان القصة كانت مجرد صفقة ابرمت بين اطراف غربية معنية باحداث تغيير في المنطقة لخدمة مصالحها، والاسلاميين وفي مقدمتهم التنظيم العالمي لجماعة الاخوان المسلمين، وبحيث يكون هناك «تناغم يميني» بين اسرائيل والدول العربية، الا ان بعض التفاصيل خلصت الى قناعة بان الفراغ السياسي هو الذي اوصل الاسلاميين الى السلطة، وان الحالة التنظيمية التي كانت الجماعة الاسلامية عليها، اتاحت الفرصة امامها من اجل القفز الى قيادة بعض الدول ومنها تونس ومصر، باعتبارهما الدولتين اللتين فاز الاسلاميون فيهما بانتخابات مباشرة، وانقلب الشارع المتعطش الى الديمقراطية على مخرجات تلك الانتخابات.
فالواقع الراهن يؤشر على ان حالة المخاض التي تعيشها الدولتان على شكل مواجهات بين نظامي الحكم الاسلاميين، والتنظيمات المعارضة ستتواصل بحكم اخفاق الاسلاميين في ادارة شؤون الدولة بشكل سلس وسليم، وبقدر من الديمقراطية والمساواة.
السبب في ذلك ان التنظيمات الاسلامية الحاكمة، والتي نتجت عن ائتلافات بمرجعيات دينية، احتكمت للخلافات العقائدية في ما بينها، وراعت عناصر التناقضات الداخلية التي تتراوح ما بين التشدد والوسطية، وسلمت مقاليد الامور الى الفئات الاكثر تشدداً خشية الانقلاب على التيار الوسطي. كما سلمت بقوة «الصوت العالي» وتفوقه على المنطق والعقل. وانحازت الى عناصر الدولة الدينية على حساب كل مقومات الدولة المدنية، وبلغت مديات بعيدة من الغرور في الحديث عن «تفويض آلهي» للحاكم. واعتقدت بأن من حقها تجييش الانصار في الشارع من اجل مقاومة «المعارضة» وضربها، وحرمت كل ذلك على الاخرين.
واكثر من ذلك فقد بات بعض الانظمة متهماً بممارسة اعمال القتل والتصفية بحق احد المعارضين، كما حدث في تونس، ما يعني ان الامور باتت مفتوحة على اسوأ الخيارات، بما في ذلك خيارات الدم والقتل، وهي الخيارات التي تكشفت من خلال مواجهات الشارع المصري قبل ان تدخل مجال الاغتيالات في مواقع اخرى.
من كل ذلك، يمكن القول ان كل المعطيات تؤشر على ان الربيع العربي بات هو الاكثر تضرراً من وصول الاسلاميين الى الحكم. وان انشغال الاسلاميين بـ «تعدديتهم» وباجتهاداتهم المتطرفة، ابعدهم عن الوسطية، وعن العقلانية، ودفع بهم الى التفكير الاحادي والاعتقاد بانهم يلعبون منفردين في الساحة، مما دفع بالتيارات الاخرى الى الانقلاب على شرعيتهم، والمناداة باطاحة قياداتهم، ورفع الشعارات عينها التي رفعت في بدايات الربيع العربي والتي تطالب بتغيير الانظمة.

«الاسبوع العربي»

العدد ٢٧٨٤ الاثنين ١٨ شباط (فبراير) ٢٠١٣ / ٨ ربيع الثاني ١٤٣٤
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق