افتتاحية

التحدي الروسي… والتراجع الاميركي

التحدي الروسي… والتراجع الاميركي
روسيا ماضية في سياسة التحدي في سوريا، لا يهمها سلام ولا حلول، بل تبحث عن وسيلة تحفظ لها مصالحها. منذ ايام القياصرة وهي تطمح الى ايجاد موطىء قدم في مياه البحر المتوسط الدافئة، فكان ان أمن لها النظام السوري هذا الحلم، فكيف لها ان تتراجع او تفرط به؟
فبعد الضجة التي اثيرت في الايام الاخيرة حول ارسال جنود مشاة واسلحة ثقيلة روسية الى سوريا دعماً للنظام، لم ينف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الانباء حول هذا الموضوع، وتلطى وراء تنظيم الدولة الاسلامية فقال ان روسيا ستستمر في تزويد الجيش السوري بالاسلحة لمحاربة «داعش»، لافتاً الى ان روسيا تجري تدريبات في المتوسط، وطالب الجيش الاميركي بالتنسيق مع الجيش الروسي لتفادي اي حادث يمكن ان يقع ويشعل النار بين الدولتين الكبيرتين.
لقد تجاهل لافروف ان روسيا تمد سوريا بالسلاح منذ الطلقة الاولى للحرب في سوريا، وقبل ان يظهر داعش على الساحة. فما هو عذره في ذلك؟ وهو يعرف جيداً ان هذا السلاح يطيل امد الحرب، ويرفع عدد القتلى الى ما يزيد عن ثلاثماية الف قتيل، وملايين المشردين الذين يشغلون اوروبا والعالم كله حالياً. فهم يبحثون عن ملجأ يأويهم من نيران القتال الضاري الذي يدمر البشر والحجر ويقضي على كل شيء.
والمساهمة الروسية في اذكاء نار القتال ليست طارئة، بل هي قائمة منذ اللحظة الاولى لانطلاق الحرب. وذلك عبر مجلس الامن، تلك المؤسسة المشلولة التي تعطل اعمالها قرارات الفيتو التي يتمتع بها عدد من الدول الكبرى وبينها روسيا والتي لا يتعدى عددها الخمس بحيث ان كل دولة منها قادرة على شل العالم وتدميره من خلال هذا الامتياز الذي منحته الدول الكبرى لنفسها.
فقد استخدمت روسيا اكثر من ثلاث مرات حق النقض الفيتو، وسدت طريق الحل في سوريا متذرعة في كل مرة باعذار واهية لا تنطلي على احد من الناس، ولولا هذا الاستخدام الخاطىء للفيتو لتوقفت الحرب السورية منذ سنوات، ولكانت وفرت على السوريين مئات الاف القتلى وملايين المشردين. فالى متى يستمر هذا الوضع؟
والغريب في الامر ان المعارضة السورية المشتتة التي فشلت في توحيد صفوفها، واختيار قيادة واحدة تضع لها خريطة طريق صحيحة تسير عليها، لا تزال تؤمن بان روسيا يمكن ان تعمل من اجل الحل. هذه المعارضة تلبي في كل مرة نداء الروس ودعوتهم لها للتوجه الى موسكو والتداول في شؤون الحل، فيظهر لهم ان روسيا لا يهمها من هذه المحاولات، سوى دعم النظام وابقاء الوضع على حاله. فهي مثلاً ترفض  الحل على اساس جنيف واحد، وتتمسك بالنظام رغم اجماع العالم باستثناء روسيا وايران على ضرورة تشكيل حكومة انتقالية، لا يكون للنظام دور فيها. فمتى تدرك المعارضة ان روسيا لا يمكن ان تعمل على مساعدتها؟ ربما يكون الجيش الحر استفاق قبل ايام فهدد بجعل سوريا مقبرة للروس. ان هذا قول بعيد عن التنفيذ، ولكنه يتم عن وعي بدأ يظهر في صفوف المعارضة السورية. على الدور الروسي المدمر.
هذا الموقف الروسي المتصلب والمتعالي سببه حالة الارباك او ربما الضعف التي تمر بها الولايات المتحدة. فهي تراجعت في اوكرانيا ونفذ الروس سياستهم، واستولوا على القرم وضموها، ولا يزالون سائرين في دعمهم للانفصاليين، غير عابئين بالتهديدات الاميركية. هذا الموقف الاميركي المتخاذل هو الذي شجع روسيا على المضي في سياستها اللامبالية بالتهديدات والاحتجاجات الاميركية، لانها متأكدة من انها لن تتعدى الاقوال بعيداً عن التنفيذ.
وللتدليل على السياسة الاميركية الخاطئة لا بد من ان نشير الى ما جرى في الامم المتحدة الاسبوع الماضي. عندما صوتت 119 دولة لصالح رفع علم فلسطين فوق مقر الامم المتحدة الى جانب اعلام الدول الكبرى. وحدهما الولايات المتحدة واسرائيل وست دول اخرى صوتت ضد القرار. ربما نفهم مواقف الدول المعارضة وخصوصاً موقف اسرائيل الشديد العدائية لفلسطين وللفلسطينيين، ولكننا لا نفهم موقف الولايات المتحدة. فلماذا صوتت ضد هذا القرار الذي يدعم مبدأ قيام الدولة الفلسطينية. اليست هي من نادى بقيام الدولتين، فلماذا تراجعت، أالى هذا الحد هي واقعة تحت النفوذ الصهيوني. وماذا يخشى اوباما. هل يخاف نتانياهو الذي بذل اقصى جهوده لعرقلة اقرار الاتفاق النووي الايراني في مجلس الشيوخ ففشل. لماذا لا يستعيد كرامة الولايات المتحدة ويقول لا للزحف امام الاسرائيلي والى متى ستستمر هذه الحالة؟ ان الايام ستكشف ذلك ولو بعد حين، لان لا حلول للمشاكل القائمة سوى باستعادة الولايات المتحدة لدورها بعيداً عن الخضوع لهذا الطرف او ذاك، والوقوف بحزم بوجه السياسة الروسية المدمرة لكل الحلول.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق