ندوة

موسى طيبا… ملتزم بقضايا الفن والانسان والوطن والوجود

موسى طيبا… منذ نعومة اظفاره وهو يحلم بالترحال. كانت رحلته الاولى من قريته الجنوبية تربيخا الى بيروت، اما رحلاته الاخرى، فلا تسل… من بيروت سافر الى فيينا ولندن وروما، وغيرها من المدن الاوروبية، واخيراً حط الرحال في فرنسا، وبالتحديد في شارتر بالغرب من باريس. ومنذ ذلك الحين، نجده تارة في شارتر حيث محترفه الفني، وطوراً في لبنان حيث متحفه ومعرضه الدائم في قرية قانا الجنوبية. اما حلمه الثاني والأهم، فهو الرسم الذي كان وراء تجواله من مكان الى آخر. ومع مرور الايام، استطاع موسى طيبا ان يجد مكانه تحت الشمس، من خلال اعماله التجريدية التي لا تشبه أية اعمال اخرى، بحثاً عن غموض الكون واسرار الحياة، محاولاً تفسير ذلك عبر لغة الالوان الزاخرة ايضاً بالاسرار والغموض… والتجدد، وداوني بالتي كانت هي الداء! موسى طيبا، الذي اعرفه منذ سنوات طويلة، ولا أراه الا في مناسبات متباعدة، هذا المواطن العالمي، والغجري المسافر من مكان الى آخر، كرّمته «الحركة الثقافية – انطلياس» كعَلَم من أعلام الثقافة، حمل اصالته المشرقية الى اوروبا، مؤكداً بُعده العالمي في مجال الابداع الفني.

في يوم تكريمه في «المهرجان اللبناني للكتاب» ذكر الفنان التشكيلي موسى طيبا: «وُلدت مع الحرب (1939) وأي حرب، كانت ولا تزال حروباً مستعرة…».
الى ان قال: «انا اجهل نفسي، واجهل كل شيء حولي، لكن اللون هو الحياة بالاتجاه نحو محراب الفن بسكونه العجيب».
وهو لا يجد سوى «الهالة اللونية كقبس امل وحيد مضيء الى قلبي والى الفسحة امامي…».

التعبير باللون
ادار الندوة الباحث نعوم خليفة، معتبراً ان وسائل التعبير تختلف، فمنهم من يعبّر بالكلمات وقد تكون شعراً او نثراً، ومنهم من يعبّر بالحركات والايحاء، ومنهم من يعبّر باللحن. اما موسى طيبا فاختار وسيلة اخرى، هي اسمى واكثر ابداعاً، اختار ان يعبّر بالصورة واللون. هذه الطريقة في التعبير رافقت موسى طيبا منذ سنواته الاولى، فهو يذكر ان استاذ العربية طلب من التلامذة ان يكتبوا موضوعاً عن العنف والرحمة، فكتب الموضوع وارفقه برسم اسد وغزال، فكان ذلك ابلغ من الكلمات.
ويذكر نعوم خليفة، ان موسى طيبا دخل الى الاكاديمية اللبنانية في بيروت (ألبا)، وبعد تخرجه سافر الى فيينا حيث تعرف على متاحفها ومعارضها الفنية، ثم كانت لندن المحطة الثانية حيث تابع في الاكاديمية الملكية دروساً وزاد من اطلاعه، بعدها انتسب الى اكاديمية روما للفنون الجميلة، وهناك تتلمذ على كبار اساتذتها، كما تلقى دروساً في النحت والموزاييك والجدرانيات الكبيرة، وبالتوازي مع ذلك، كان يعرض اعماله مما ساعده على القيام بتأمين اعبائه الشخصية. عاد بعد ذلك الى لبنان، والتحق بوزارة التربية كأستاذ للرسم في الثانويات الرسمية، ثم دخل ملاك الجامعة اللبنانية حيث درس في معهد الفنون، الهندسة المعمارية والتخطيط السريع وتقنية الالوان والفنون.

ضريبة الحرب
في رأي نعوم خليفة، ان موسى طيبا كغيره من اللبنانيين دفع ضريبة الحرب التي عصفت بالوطن الصغير، اذ احترق منزله مع ما فيه من لوحات ومخططات وكتب، فارتحل الى فرنسا ومنها الى المانيا وايطاليا ليعود الى باريس، ثم يستقر في شارتر متعمقاً في تقنية الزجاجيات الملونة، ولا يزال فيها حتى اليوم.

التزام بالفن والانسان والوطن
ان لوحات موسى طيبا – كما يقول نعوم خليفة – هي عبارة عن الوان تتمازج وتتراقص وتوحي اليك بألف صورة وصورة. انها تجليات لمعاناة قاسية ومشاعر مرهفة وعواطف صادقة تبعث في النفس الارتياح وتبهج العين بتزاوج الالوان فتصبح كل لوحة آلاف اللوحات، اذ لها على كل مشاهد وقع خاص. فاذا باللوحة تتعدد بتعدد المشاهدين. انها لوحات تعكس روحاً صافية تتراءى في تلك الالوان الرائعة التي يسقط فيها موسى طيبا شفافيته وطيبته وبراءته وجرأته وابداعه. موسى طيبا، فنان ملتزم بقضايا الفن والانسان والوطن والوجود…

ابناء بسطاء الناس
الصحافي طلال سلمان، حكى قصة معرفته بالفنان موسى طيبا، من خلال ما يختزنه في ذاكرته من ذكريات حول اهل الفن التشكيلي في لبنان… فهو مثلهم، من بيئتهم، ابن الدركي المتحدر من صلب الفلاحين في شمسطار، في بلاد بعلبك…
يقول طلال سلمان: شاء لي قدري، في بدايات حياتي المهنية، ان يكون مقر عملي في مجلة «الأحد» التي كانت تصدر عن «دار الكفاح العربي» لصاحبها الزميل الكبير الراحل رياض طه، في شارع منصور، خلف اللعازارية، وغير بعيد عن اكاديمية الفنون الجميلة بقيادة الكسي بطرس. وشاء القدر نفسه، ان يفد الى هذه الاكاديمية ابن دركي آخر كان يسمى حسين ماضي قبل ان يعطي اسمه للفنون التشكيلية رسماً ونحتاً… وان تصير تلك الدفعة من دارسي هذه الفنون، وكلهم من ابناء بسطاء الناس كالفلاحين وصغار الكسبة، اصدقاء تجمعنا شراكة الكعك بسمسم، وانصاف صحون اللوبيا بزيت، والاحلام الكبار ومحاولة التعبير عن حبنا لارضنا والناس بما نملك من كفاءات كامنة.

كوكبة من المبدعين
ولفت طلال سلمان، الى ان القائد التاريخي لهذه الدفعة وذواقة للأصالة في اللحن والغناء، وكان متقدماً على زملائه، هو الراحل الذي لا يغيب انساناً عظيماً ومبدعاً في الفن التشكيلي ابرهيم مرزوق… وكان بين اصحاب العيون التي ترى ما لا نرى من مكامن الجمال، الراحل حسن بدر الدين، ومصطفى حيدر، ومحمد قدورة، واخرون… اما المرجعية فكانت معقودة اللواء لمنير عيدو، في حين كان حسن جوني يمثل المعارضة من قصره في منطقة البطركية. وكان موسى طيبا متميزاً بلغته الساذجة التي لا تفهمها الا مرسومة، واما لوحاته فتعطي كل مشاهد فرصة ان يقرأها بذائقته الفنية وان يعبّر عنها بلغته.
ويؤكد سلمان، ان الصداقة مع تلك الكوكبة من المبدعين، امتدت لنصف قرن او يزيد، مع كل التقلبات وثورات المزاج وتبدل الاحوال بعد اكتساب الخبرات واستقرار الثقة بالنفس عبر النجاح في تلك العملية المعقدة: ان تعبّر عن احلامك ورؤاك، مشاعرك وثورات غضبك بالالوان والخطوط التي تخاطب الروح والحس قبل العين ومعها، فاذا انت شريك لمن ابدعها… حتى لو قرأت فيها غير ما اراد ان يقول. فرقت بيننا الايام، وان لم تستطع تقطيع الروابط، في حين ظل موسى طيبا على تواصله المفتوح…

ثقافة عريضة
وبدوره، يرى طلال سلمان، ان موسى طيبا الذي لا يتقن الخطابة ويكتب بألوان قوس قزح ما لا يستطيع التعبير عنه بالكلمات، اضاف الى موهبته ثقافة عريضة عبر اسفاره الى حيث امكنة الوصول: فقد دعاه عمه الى فيينا في سنة 1962 حيث امضى شهوراً يزور المتحف والغاليرات ويرسم، من دون ان يحيي فيها ليالي الانس، كما تسنى له ان يتسلل الى الاكاديمية الملكية للفنون الجميلة في لندن يتابع ويطالع ويطلع. ومن لندن الى روما متابعاً الدروس في اكاديمية روما للفنون الجميلة، متتلمذاً على كبار اساتذتها: فيتسيني – مونتاليريني – ماكاري – وآخرين… كما تلقى في معهد سان جاكومو دروساً في النحت والموزاييك والجدرانيات الكبيرة. ولقد عاد، بعد عشر سنوات من الغياب، ليعلّم الرسم في بعض المدارس الرسمية، في أميون، وبرج البراجنة، وفرن الشباك، والمريجة، وجبيل.

دور الفن في المعركة
ويذكر طلال سلمان، ان موسى طيبا ادرك ان للفن دوراً في المعركة، فباشر العمل لمشروعه الفريد في بابه: تحويل منزله في قانا الى متحف دائم للفن التشكيلي ليس لنفسه، بل للمبدعين جميعاً، لبنانيين وعرباً ومن انحاء مختلفة من العالم. هل من الضروري ان نشير الى ان قلة قليلة، من المسؤولين تعرف هذه الحقيقة، وان نفراً معدوداً جداً من السياسيين، جنوبيين ومن سائر انحاء لبنان، زار هذا المتحف وقدر اهمية ان تحتضنه قانا، الشاهدة والشهيدة مرتين في المذابح الاسرائيلية، والتي يرتبط اسمها بالسيد المسيح بقدر ارتباطه بكوكب الصمود الوطني ومجد الاعتزاز بالهوية. من حق موسى طيبا ان نعترف له بالسبق في هذا المجال.
وأخيراً، لفت سلمان، الى ان طيبا وُلد في تربيخا (بالكنعانية الجبل المقدس)، وهي احدى 24 ضيعة في الجليل الاعلى كان الانتداب البريطاني قد اقتطعها من لبنان ليضمها الى فلسطين! وفي سيرته يعتز موسى طيبا بأنه من ثيبة او طيبة، تيمناً بثيبة اليونانية.

اسكندر داغر
 

العدد ٢٧٩١ الاثنين ٨ نيسان (ابريل) ٢٠١٣ / ٢٧ جماد الاول ١٤٣٤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق