افتتاحية

يوم من حياة اللبناني

استيقظت صباحاً متمتعاً بنشاط واستعداد كبير للعمل. لم اعلم من اين جاء هذا التفاول. لم يطرأ ما يوحي بان شيئاً ما تبدل. فهو يوم مثل كل الايام التي سبقته والتي لم تحمل سوى الويلات. ادرت التلفاز للاطلاع على اخر الاخبار، قبل القيام باي عمل، فاذا بالكهرباء مقطوعة جرياً على عادتها منذ اشهر طويلة، وكذلك كانت حال المولد. فصفيحة المازوت وصلت اسعارها الى حدود السبعمئة الف ليرة وتجاوزتها، وهي تحلق صعوداً نحو المليون، فاعطت صاحب المولد الذريعة ليوقفه عن العمل، دون ان يحتج احد من المشتركين. دخلت الى الحمام لاجراء دوش الصباح، فاذا المياه لا تزال مقطوعة منذ اكثر من 24 ساعة، وقد فرغ الخزان ورحت استجدي قطرات قليلة من المياه ولكن عبثاً ورغم ذلك حافظت على هدوئي وتفاؤلي. لجأت الى الثلاجة لتناول ترويقة خفيفة قبل الانصراف، وتذكرت انني منذ ثلاثة ايام لم اتمكن من الحصول على رغيف خبز واحد. فالافران تشهد زحمة خانقة واشتباكات في بعض الاحيان والخبز شبه مقطوع. فقررت ان اقف في الطابور، اذ لم يعد من الممكن البقاء دون خبز، وانا احاول كل يوم ولا اوفق. توجهت الى هناك وبعد انتظار اكثر من ساعتين وصل الخبز المنقول من الفرن الى مكان التوزيع، وكان الصف طويلاً، وبعد ان انهكني التعب من الوقوف فكرت ان انصرف وانا متردد فاذا بعاملة المحل تطل لتقول لم يعد هناك خبز تعالوا غداً. فتأسفت على الوقت الذي اضعته دون نتيجة.
استقليت السيارة اريد التوجه الى الصيدلية لشراء بعض الادوية الناقصة، فاذا بخزان السيارة فارغ من الوقود ولم استطع بالامس ان اعبئه نظراً للازدحام امام المحطات. اما اليوم فلم يعد هناك مفر، فتوجهت الى احدى المحطات، وكان الوصول اليها مستحيلاً. فبيني وبينها اكثر من 2 كيلومتر طول الطابور الواقف امامها. فوقفت في الصف على امل ان يكون حظي افضل منه امام الفرن، ورحت اتقدم خطوة خطوة، وبعد ثلاث ساعات وكان النهار قد انتصف، وانا لم اقم باي نشاط او عمل مفيد فرحت اذ لم يعد امامي سوى ثلاث سيارات واحصل على الوقود. وفجأة رفع عامل المحطة خراطيم البنزين، معلناً فراغ الخزان، فلعنت حظي، ولعنت هذه الحياة التعيسة التي يحياها اللبناني.
ركنت السيارة الى جانب الطريق توجهت سيراً على الاقدام الى الصيدلية واعطيت الصيدلي لائحة بالادوية التي اريدها ورحت ارقب تقاسيم وجهه وهو يقرأها، وكنت متعجباً من عدم وجود ازدحام، ولكن سرعان ما تبددت دهشتي اذ علمت، ان لا ادوية، فالرفوف خالية، الا من بعض الادوية التي لا تتعلق بالامراض المستعصية ولا حتى بالامراض العادية. وقال لي الصيدلي انصحك بالا تتعب نفسك وتفتش، فهذه الادوية مقطوعة ومنذ اشهر لم يصل منها علبة واحدة. ولما سألته ما العمل والمرض لا يرحم، قال استعن بالله، فالمسؤولون غير مسؤولين، وهم اعجز من ان يؤمنوا الدواء للمريض. فانقلب تفاؤلي الصباحي الى تشاؤم، وقررت الا اكمل طريقي. فالعودة الى المنزل افضل كي لا اواجه بصدمات جديدة.
هذه هي الحياة التي وفرتها منظومة، فسادها اصبح حديث المسؤولين في الدول، وهم يستغربون هذا الانكار وهذه اللامبالاة وانعدام المسؤولية لكن ما يدهش اكثر ويدعو للاستغراب وجود فئة من اللبنانيين لا تزال تصفق لهذه المنظومة، وكأنها راضية عن كل ما يصيبها، وقد اكدت ذلك بوقوفها الى جانب الذين تسببوا بقهر اللبنانيين، وايدتهم واعادت انتخابهم. حقاً ان لبنان بلد العجائب والغرائب، ولكن لنبق متفائلين ولا نفقد الامل فما من ليل مهما اشتدت ظلمته الا وسيعقبه فجر، يطل من وراء الافق ويبدد الظلمة، فعسى الا يطول هذا اليوم.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق