افتتاحية

… ولكن اليوم ليس زمن العجائب

يوماً بعد يوم يكتشف اللبنانيون ان اكثرية هذه الطبقة السياسية لا يمكن ان يأتي الخير الى لبنان على يديها، وهذا ثابت من خلال تتبع الاحداث على مدى سنوات طويلة. فالكتل السياسية كلها على اختلاف نزعاتها، ممثلة في المجلس النيابي، وهي تتنقل من مجلس الى اخر بتغيير لا يؤمن التغيير. فالابن يحل محل ابيه والمناصر يحل محل الزعيم ولكن السياسة تبقى هي اياها. فالمجلس السابق مثلاً ماذ قدم للبنانيين؟ لقد سن قانوناً للايجارات جاء يخدم الشركات العقارية ويضرب ما لا يقل عن مليوني مواطن عاجزين عن تأمين سكن جديد لهم. فعمت الفوضى، وشغلت المحاكم الى ان جاء تجميد القانون بانتظار تشكيل الصندوق الذي سيتولى مساعدة غير القادرين على الدفع، وتوقف كل شيء عند هذا الحد. ولكن الايام تمضي سريعاً، فهل فكر المسؤولون اين يأوون نحو مليوني مواطن في حال انتهت المهلة وجرى تطبيق هذا القانون؟ انهم لا يحاولون حل المشكلة قبل وقوعها، ولذلك فقد نكون امام كارثة في حال لم يسحب هذا القانون ويعدل.
ثم صاغ ذلك المجلس قانون سلسلة الرتب والرواتب الذي نحر اللبنانيين في الصميم باستثناء من استفادوا منه. ففرضت الضرائب القاتلة على المواطنين لتأمين المال الذي يغطي السلسلة، والتي انعكست سلباً على مختلف الحياة المعيشية، ولا تزال البلاد تعاني منها حتى اللحظة، وخصوصاً القطاع التربوي الذي يحدد مصير جيل كامل بعدما اصبح دخول المدارس الخاصة مقتصراً على طبقة الاغنياء، بفعل الزيادات التي فرضتها السلسلة على الاقساط.
وجاء المجلس النيابي الحالي واستبشر المواطنون خيراً، لان الغريق يتعلق بحبال الهواء. فما ان دعي الى الاجتماع، حتى تم التعريف بهويته اذ بدأ من حيث انتهى المجلس السابق. ففي اول جلسة له اقر قانوناً لدعم الاسكان، ولكنه ربطه بحكومة لا يزال تشكيلها في عالم الغيب. مئة مليار ليرة لبنانية مشروطة. ولو فرضنا انه تم تشكيل حكومة، فانه يلزمها وقت طويل للتحاور مع المصارف وتحديد الفوائد التي ارتفعت مؤخراً، فضلاً عن ان هذا المبلغ لن يفي بالغرض، نظراً الى صعوبة الحياة المعيشية، بدءاً بالمدارس والاقساط والرسوم العشوائية، والنقل في غياب خطة مدروسة، والهاتف وقد بدأ يتردد ان الدخل تدنى بسبب استخدام الانترنت، فهل هناك احتمال لالغاء الخدمات كالواتس اب وفايبر وغيرهما؟ ام ان هناك نية بزيادة الرسوم عليها، وقد عودتنا حكوماتنا على استسهال الامور بلجوئها في كل مرة الى جيوب المواطنين؟ وهناك الكهرباء علة العلل، وهي تخضع لحصار يعجز السياسيون عن فكه، لينطلق بناء المعامل التي تحل المشكلة وتؤمن التيار 24/24. وهناك المياه وقد اصبحت عملة نادرة في بلد الينابيع الغزيرة، كل ذلك بسبب سوء التخطيط وادارة الملفات الحياتية الملحة التي تسهل على المواطن حياته ومعيشته. لذلك فهو يقترب من خط الفقر.
انتخبوا نواباً مصدقين الوعود التي اغدقت عليهم، فاذا بهم يدركون انهم وقعوا ضحية اكاذيب سياسية، وتأكدوا من ان الوضع مع معظم هذه الطبقة السياسية «فالج لا تعالج». ولا يمكن ان يتحقق اي اصلاح على ايديهم، انهم اصحاب مصالح خاصة تحتل الاولوية عندهم على حساب الشعب المغلوب على امره، ولانه يتحمل كل المسؤولية في ما نحن عليه اليوم. فلماذا لا نتشبه بالشعوب المحيطة بنا التي تتحرك على الارض لتنتزع حقوقها، بارغام السياسيين على تلبية المطالب، كما حصل في تونس والاردن والعراق وغيرها؟
قانون دعم القروض ينتظر تشكيل الحكومة، وبعد ذلك واذا قيض لها ان تتشكل فانه يلزمها ستة اشهر كما نص القانون لتضع خطة اسكانية. وكلنا يعلم مدى صدق المهل التي يأخذها السياسيون ولا يبالون باحترامها.
ومن مآثر المجلس النيابي الجديد انه لم ير ان تأمين الدواء لمرضى السرطان وغيره من الامراض المستعصية امر مستعجل، بل انه ينتظر. فما الهم اذا مات العشرات بهذا المرض الخبيث. المهم ان تبقى المصالح السياسية مؤمنة. لذلك عطلت الجلسة النيابية بسبب فقدان النصاب.
البطريرك الراعي يدعو الى تأليف حكومة طوارىء مصغرة تضم شخصيات محترمة ونظيفة الكف، وقادرة على اجراء الاتصالات وبناء الوحدة الوطنية، ان مثل هذه الحكومة لو تشكلت لكشفت زيف السياسة المتبعة، ولذلك فانهم لن يسمحوا لها بان تمر. من هنا لم يبق امام الشعب الا انتظار معجزة، تبعد معظم هذه الطبقة وتأتي باصحاب الكفاءة والذين هم اهل لها، وعندها فقط تستقيم الامور. ولكن الزمن اليوم ليس زمن العجائب.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق