آدب

سعيد عقل… رحيل الشاعر الحالم بلبننة العالم!

عن عمر يناهز مئة سنة وسنتين، بل وأكثر، رحل الشاعر سعيد عقل (1912 – 2014). جيل ينطوي، زاخر بالحركة والعطاء والأحلام، في مجالات عدة، وخصوصاً في مجال الشعر الذي أحبه منذ صغره، كحبه للبنان، الذي ظل يتحدث عنه ويكتب عنه شعراً ونثراً، طوال حياته، حتى ارتبط اسمه به كإرتباط لحم الإنسان بعظمه… وربما هذا ما كان يرمي إليه! له مؤلفات شعرية ونثرية عدة، بدأها في الثلاثينيات من القرن العشرين مع المأساة الشعرية «بنت يفتاح»،ومن ثم، قصيدة «فخر الدين» المطولة التاريخية، وملحمة «قدموس» التاريخية حيث صال وجال في أعماق التاريخ الفينيقي، وصولاً الى ديوان «رندلى» الغزلي – وهو القائل أن الغزل هو نصف الحضارة – وديوان «يارا»، وكتابه النثري «لبنان إن حكى»، وغيرها من المؤلفات…

في غياب سعيد عقل، تعدّدت الآراء والمواقف حوله وتنوّعت… بايجابياتها وسلبياتها. وفي اعتقادي، ان الإسترسال في هذا الموضوع سيطول ويتشعب… لأن السياسة أحياناً، ما تسللت الى شيء إلا وأفسدته!
إذاً، بعيداً عن السياسة وألاعيبها، وبعيداً عن نبش القبور، لا يسعني إلا العودة الى الموضوع الذي طالما تحدث عنه سعيد عقل، وبكل طيبة خاطر.
في سنة 1983، في مكاتب «الأسبوع العربي» بالذات، حاورت الشاعر سعيد عقل بشكل مطوّل، بحضور رئيس تحرير المجلة – يومئذٍ – خليل الخوري، الذي اعتبر «أن المفكر والقائد سعيد عقل، هو نموذج نادر من المفكرين الذين حاولوا ترجمة أفكارهم الى الواقع العملي…».

بين أينشتاين والجمل!
يومها، وكعادته تحدث شاعر قدموس، عن لبنان الحضارة والمجد والعنفوان، وستة آلاف سنة من تاريخ هذا الوطن، وكان يتدفق بالغضب والجنون والوجع، همّه بقاء لبنان كما يريده هو، لا كما يريده غيره.
قبل السؤال والجواب، أراد سعيد عقل القيام بجولة أفق أساسية، ومن ثم، طرح السؤال الآتي: هل في استطاعتنا إيقاظ الإنسان اللبناني من غفوته بين يوم وآخر، وأن نرسّخ في ذهنه ان لبنان دولة عظيمة؟
وهنا، حاول أن يشرح كلمة «عظيمة» لكي لا يستغرب القارىء، لأن في إعتقاده ان الصين دولة عظيمة… وهؤلاء في رأيه، ينتمون الى جماعة الحجم، أو بالأحرى، الجماعة التي يتفشى في أوساطها «مرض الجمل»، وهم يفضلون الجمل على أينشتاين مثلاً، لأن حجمه أكبر من حجم هذا الأخير!
وهنا، شدّد على كلمة «عظيمة» مبرزاً هذه النقطة المهمة بقوله: هل يعرف الشعب اللبناني انه ينتمي الى دولة عظيمة، أي مثل المانيا، أو مثل اليونان في زمن بريكليس، أو مثل روما في زمن يوليوس قيصر، أو مثل انكلترا في زمن الملكة فيكتوريا، أو مثل فرنسا في زمن لويس الرابع عشر، أو مثل الولايات المتحدة الأميركية في زمن جيفرسون يوم تحقق الدستور الأميركي العظيم وليس كما هي الحال اليوم، أو مثل الإتحاد السوفياتي (سابقاً) الذي يعتبر دولة عظيمة وذلك بالرغم من انني لست شيوعياً على الإطلاق… أو مثل اليابان اليوم، وليس اليابان بالأمس؟

مفهوم الدولة العظيمة
من هنا، كان السؤال: هل ان لبنان هو كذلك؟
أجاب: إذا انطلقنا من نقطة الحجم، ومن النظرة التي تقول ان الدولة العظيمة هي التي تتميز بالمساحات الواسعة، وبمئات الملايين من البشر، فإن لبنان عندئذٍ، ليس بالدولة العظيمة. أما إذا نظرنا الى لبنان من زاوية أخرى، أي انه أشبه ما يكون بالدماغ الموجود في الرأس، وهو أهم ما في جسم الإنسان، حينئذٍ لا يسع اللبناني إلا أن يعرف انه ينتمي الى دولة عظيمة. وفي إعتقاده، حتى أولئك الذين يعتبرهم اباءه، وهم: يوسف السودا، وشارل قرم، وميشال شيحا، كانوا يجهلون الأسباب الخطيرة التي صنعت عظمة دولتهم. وهنا، نراه يؤكد أن لبنان دولة عظيمة، وينبغي على الشعب اللبناني أن يدرك هذه الحقيقة، لكي يستطيع إنقاذ لبنان.

خمس حقائق حضارية
في سياق ذلك الحديث الطويل جداً، الذي امتد على مساحة أربع صفحات من مجلة «الأسبوع العربي» شرح سعيد عقل بشكل موسّع، لماذا لبنان دولة عظيمة؟
في رأيه، أن هناك خمسة أشياء أعطاها لبنان، ولا تزال فاعلة، ومن غير المعقول أن يتوقف هذا الفعل… الى درجة قدّر البعض، ما قدّمه هذا البلد الصغير بثلثي الحضارة. الشيء الأول الذي ذكره لي سعيد عقل، ان في بدايات الألف الثالث قبل الميلاد، انبثقت في لبنان عبادة تقول ان الإنسان يبقى بعد الموت، أي انها قالت بخلود النفس… وأول من قال هذا الكلام، عبادة لمعت في جبيل للإلَه إيل، نحن باقون بعد الموت، وهذا يعني، ان فكرة البقاء بعد الموت هي من عندنا…
الشيء الثاني الذي أعطيناه، هو ألف باء جبيل. هناك أبجديات أخرى جاءت قبل، وبعد، ولكنها لم تخلّف، كانت عقيمة، كما يقول موريس دونون…
وتساءل سعيد عقل: ما هي الألف باء؟
وأجاب: هي الوعاء الذي نضع فيه الحضارة، وبدون هذا الوعاء فإن الحضارة لا تولد، ولا تنتقل من بلد الى آخر.
الشيء الثالث الذي أعطيناه للعالم هو «توم» الذي يسمونه بشكل خاطىء «أتوم» وهو مصدر كل اختراعات هذا العصر، وذلك في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، عبر موخس الصيدوني، الذي قال، ان الذرة تتجزأ.
الشيء الرابع الذي أعطيناه، هو الحكم بثقة مجلس ديمقراطي، وآخر ارستقراطي عقول، مشيراً الى ان دستور صيدا وصور خدم حوالي 1500 سنة في العالم.
أما القيمة الخامسة التي أعطيناها فهي الجيومتري الإقليدية، التي أعطاها اقليد إبن صور.

الحالم بلبننة العالم!
في رأي سعيد عقل، ان لبنان ليس فقط أولئك الأمراء الذين أنجبهم في القران الثامن عشر، ولا هو الجبال الجميلة التي نجد مثلها في سويسرا مثلاً، لبنان هو تلك القيم الخمس التي ذكرها. مؤكداً، لو اننا نستطيع في كل حين ان نصنع ابتكارات في السياسة، أو في مسألة الإيمان بالبقاء بعد الموت، والى ما هنالك من القيم العظيمة، لكان العالم بألف خير.
بعد تلك الجلسة التي دامت ساعات طويلة، سكت سعيد عقل، واستراح قليلاً، ثم انصرف، حاملاً أفكاره الكبيرة ورؤاه البعيدة، وهو يحلم بلبننة العالم!

اسكندر داغر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق