افتتاحية

الى متى تسود شريعة الغاب؟

بأي حق وبموجب اي شريحة او قانون تقدم دولة على احتلال دولة اخرى، وضمها الى اراضيها، كما فعلت روسيا في اوكرانيا؟
لقد اقدمت الحكومة الروسية على ضم القرم الى اراضيها امام انظار العالم كله، الذي اكتفى باطلاق الاستنكار والتنديد، دون ان يتخذ خطوة عملية تمنع هذا الاعتداء، اللهم سوى بعض العقوبات التي لا تؤثر كثيراً ولا تعيد القرم الى اوكرانيا.
ولم تكتف روسيا بذلك بل عمدت الى تحريض مناطق اخرى من اوكرانيا على الانفصال والالتحاق بها، فمن سمح لها بذلك ومن يحاسبها؟
من سمح في العام 2003 للولايات المتحدة بغزو العراق وقلب نظام الحكم، وهذا من صلاحيات الشعب العراقي وحده، فزرعت الفوضى في طول البلاد وعرضها قبل ان تنسحب وتعود الى بلادها؟
من سمح للصهيونية العالمية باحتلال فلسطين وتشريد اهلها واقامة كيان عدائي محارب لكل دول المنطقة تحت انظار العالم كله، فاقامت المستوطنات على الاراضي الفلسطينية المغتصبة، وعملت على اضطهاد الفلسطينيين والتنكيل بهم؟ ولم تكتف بذلك بل اصبحت الدولة الوحيدة في المنطقة كلها التي تملك الاسلحة النووية فبنت مفاعل ديمونا وطورت قوتها النووية بعد ذلك.
الامثلة كثيرة على ان العالم تحكمه شريعة الغاب. فالقوي يأكل الضعيف، وبقية الدول والقوى الاخرى تتفرج. بحيث ان كل طرف يسهّل اعتداء الطرف الاخر، لان الجميع معتدون ومغتصبون في ظل غياب الجهة الصالحة لمحاسبتهم وردعهم.
من المعروف ان مجلس الامن الدولي هو الطرف الوحيد المخول وضع حد لهذه الممارسات ومنع اعتداء دولة على دولة اخرى، رغماً عن انوف شعبها. فلماذا لا يتحرك هذا المجلس ويقوم بالمهمة التي اوكلت اليه، فيمنع ضم القرم ويعيدها الى اوكرانيا، ويعيد فلسطين الى اهلها، الى غير ذلك من المهات الموكلة اليه؟
لماذا لم يتمكن مجلس الامن من وقف حرب مدمرة اجتاحت سوريا منذ اكثر من ثلاث سنوات وتدخل فيها العالم كله، البعض يحارب مع النظام والبعض الاخر مع المعارضة؟
لماذا ولماذا ولماذا…؟
الجواب بسيط وسهل. ذلك ان الدول الكبرى عندما قررت انشاء مجلس الامن لحماية الدول من العدوان، خصّت نفسها بامتيازات تفردت بها، فاعطت ذاتها الحق بتعطيل اي قرار يمكن ان يسيء اليها، وهو «حق» النقض (الفيتو) الذي تتمتع به الدول الخمس الكبرى، وهي الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين. وبامكان كل دولة من هذه الدول ان تعطل مفاعيل اي قرار يصدر عن مجلس الامن ولا يتلاءم مع مصالحها، حتى ولو كان العالم كله معه.
فعندما تدخل مجلس الامن لحل الازمة الاوكرانية بما لا يتلاءم مع عدوان روسيا، استخدمت هذه الاخيرة حق النقض وعطلت اي قرار يحمي كييف من العدوان ويعيد القرم الى اوكرانيا، ونفذت عدوانها.
وعندما تدخل مجلس الامن لحل الازمة السورية. وانقاذ الشعب السوري الذي يعاني الويلات من جراء الحرب المدمرة التي تجتاح بلاده من الشرق الى الغرب، ومن الشمال الى الجنوب، استخدمت روسيا «حق» النقض ثلاث مرات او اكثر ومنعت الحل، فبقي الشعب السوري يدفع الثمن من دمه ورزقه.
لقد بدا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في السنوات الاخيرة وكأنه الامبراطور الحاكم بأمره في العالم، يتحدى الكل ويحقق ما يناسب مصالحه ومصالح بلاده في ظل انكفاء او تواطؤ اميركي مشبوه.
وكم من مرة عطلت الولايات المتحدة بواسطة هذا الفيتو عينه قرارات تدين اسرائيل وتمنعها من العدوان والتمادي، في اغتصاب الحقوق والارض؟
اذاً يجب اعادة اصلاح مجلس الامن ليتحول الى اداة فعالة لرفع الظلم عن الشعوب. واول بند في الاصلاحات المطلوبة هو الغاء «حق» النقض فوراً، بحيث تتساوى الدول كلها، وتعود الديمقراطية الى هذا المجلس، بمعنى ان الاكثرية هي التي تقرر دون ان تتمكن دولة واحدة، كما هي الحال اليوم، من اسقاط قرار يكون العالم كله قد اتفق عليه.
فهل يعقل ان تتم هذه الاصلاحات؟ وهل يقبل اصحاب الامتيازات بالتخلي عن هذه المكاسب من اجل مصلحة الدول الاخرى؟
ان ذلك صعب، لا بل مستحيل. ولذلك ستبقى شريعة الغاب تحكم هذا العالم المضطرب.

«الاسبوع العربي»

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق