افتتاحية

لماذا استفاق لبنان بعد عشر سنوات؟

لماذا طرح ملف الترسيم الحدودي اليوم، ولماذا سحب من الادراج التي كان يغط فيها عميقاً؟ هل ادرك المسؤولون ان الشعب اللبناني وصل الى جهنم حقيقية، فارادوا انتشاله منها؟ بالطبع لا! غير ان هذا التحرك اليوم سببه استفزازات العدو الاسرائيلي، الذي يتطلع الى تصدير غازه ونفطه الى اوروبا، مستغلاً العقوبات على الغاز الروسي وارتفاع الاسعار. هذه الاطماع دفعت اسرائيل الى التفكير بسرقة الثروة النفطية اللبنانية، مستغلة لا مبالاة المسؤولين وخلافاتهم.
عشر سنوات والعمل جار في كل دول المنطقة، من تركيا الى اليونان فقبرص ومصر وفلسطين المحتلة، وتحولت كلها الى دول نفطية، وبدأت باستخراج الغاز لتحقيق اكتفاء ذاتي وتصدير الفائض. وحده لبنان بقي خارج اطار العمل، ولا تزال ثروته مدفونة تحت المياه وعيون الطامعين عليها. ولو ان المسؤولين تطلعوا الى مصلحة الشعب اللبناني، لكنا اليوم في عداد الدول التي تصدر الغاز، بدل ان تستجديه تارة من مصر وطوراً من غيرها لتشغيل معامل الكهرباء المقطوعة منذ اشهر طويلة، ويعيش اللبنانيون عتمة شاملة، لم يعرف مثيل لها حتى في اصغر الدول وافقرها. ولما كنا نعاني اليوم من ازمة اقتصادية خانقة هي الاشد والاقسى منذ مئة وخمسين عاماً. فالمنظومة تعيش حالة انكار للشعب وحاجاته، اثارت استغراب العالم كله، وجعلت المؤسسات الدولية الكبرى، تنتقد وبشدة هذه اللامسؤولية التي فاقت كل تصور. وهذا ما دفع العاهل الاردني الى الاعراب عن قلقه الشديد ازاء الوضع في لبنان، مبدياً استعداده للمساعدة. حتى الوسيط الاميركي آموس هوكشتاين، قال قبل وصوله الى بيروت «ان انهيار لبنان ليس من مصلحتنا ولا مصلحة المنطقة ككل». ولذلك قبل بالعودة لا ليكمل المفاوضات، بل ليفرض الحل معلناً اما القبول او الرفض. لقد انتظر منذ شباط الماضي رد لبنان على مقترحاته ولكنه لم يتلق شيئاً ولذلك كان حازماً هذه المرة.
بهذه الطريقة تعاملت المنظومة مع الشعب اللبناني على مر السنين، فاوصلته الى الفقر والجوع، بعدما كان ينعم بحياة، كان معظم شعوب المنطقة يحسدونه عليها. الا ان السياسات الخاطئة، دفعت مئات الالوف من شبابه الى ان يهاجروا الى دول قريبة وبعيدة، بحثاً عن حياة كريمة فقدوها في بلادهم. ففرغ لبنان من اهله ولم يبق فيه سوى كبار السن الذين لم تعد ظروفهم الصحية تسمح لهم بالهجرة. ورغم ذلك لا تزال هذه المنظومة تدير ظهرها، دون ان تؤمن للبقية الباقية في هذا البلد من اللبنانيين الدواء والاستشفاء (وهنا لا بد من الاشارة الى ان حتى الاطباء هجروا الوطن، وبات من الصعب العثور على اختصاصات معينة الامر الذي هدد حياة الكثيرين)، والكهرباء والمياه، حتى رغيف الخبز التي باتت قوت الكثيرين الوحيد، لم تعد مضمونة، اما المنظومة المسؤولة عن هذا الوضع المتردي، فلم تحرك ساكناً حيال كل هذه الازمات بل هي سائرة وراء مصالحها، وحساباتها تختلف تماماً عن حسابات المواطنين. والمؤسف لا بل المبكي انها بعيدة كل البعد عن حالتهم المزرية وهي تعمل على تحميلهم كل الخسائر التي تسببت بها. فهي بعد ان انفقت وبددت اموال المودعين في المصارف، تطل وبطرق ملتوية وحجج مرفوضة لتلقى العبء الثقيل عليهم في محاولة لانقاذ نفسها وصفقاتها واموالها التي اصبحت في الخارج. يضرب الاطباء، فترفع التعرفة، وعلى الشعب ان يدفع، تضرب الافران فيرفع سعر ربطة الخبر والشعب يدفع، تضرب شركات توزيع المحروقات، والمحطات والصيادلة واصحاب المدارس الخاصة وعلى الشعب ان يدفع. ترفع رسوم الاتصالات والمياه واسعار الادوية واسعار المواد الغذائية وغيرها وغيرها وعلى الشعب ان يدفع. فهل سأل مسؤول نفسه يوماً، من اين يأتي المواطن بالمال، وامواله منهوبة في المصارف، ليغطي كل هذه المطالب؟ خصوصاً وان البطالة تعم، والشركات مهددة بالافلاس والانهيار شامل. بالطبع لا يفكرون بذلك ولو فعلوا لما اقدموا على ما هم عليه.
تعداد الماسي التي يعيشها اللبناني تحتاج الى مجلدات، فهل يأتي يوم يطل فيه من يحمل الفرج والخلاص من هذا الجحيم؟ ان الامل هو الوحيد الباقي لنا في هذا البلد. فلنتكمش بحبال الصبر.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق