افتتاحية

حكومة «انقاذ» للمنظومة و«نقمة» للمواطن

لبنان كل شيء فيه يسير بالعكس، بخلاف الواقع والاعراف. فالحكومة التي سمت نفسها «للانقاذ معاً» تحولت الى نقمة وكارثة بالنسبة الى الشعب. فهي بدلاً من ان تحتضن المواطنين ضحايا المنظومة السياسية التي افلستهم ونهبت اموالهم وجنى عمرهم، بالتعاون مع المصارف، بدلاً من ان تمد لهم يد العون، فترفع مداخيلهم لتمكينهم من تأمين معيشتهم، واجتياز الازمة الصعبة التي لا دخل لهم بها، بل هم وقود لفساد السلطة، وبدلاً من ان تجد لهم فرص العمل لمواجهة موجة البطالة المستفحلة، عمدت الى مطالبتهم بزيادة تقديماتهم لها، لتتمكن من تغطية الخسائر التي تسبب بها النهب والفساد والصفقات المشبوهة. وكلها افات نتجت عن ممارسة الطبقة الفاسدة. لقد كان على حكومة انقاذ المنظومة وتدمير الشعب ان تبحث عن المال المنهوب والناهبين، وعن اموال المشاريع المغلفة بالفساد. باختصار كان على الحكومة ان تزيد التقديمات للشعب المنكوب، لا ان تطلب منه ما ليس بقدرته عليه.
قبل ايام اعلنت شركة مياه بيروت وجبل لبنان انها رفعت قيمة الاشتراك من 349 الف ليرة الى حوالي المليون اي بزيادة 125 بالمئة، هكذا وبقرار عشوائي دون الالتفات الى قدرة المواطنين المنكوبين على التسديد. وماذا اقترحت لهم بالمقابل، انقطاع شبه متواصل للمياه، فيضطر المواطن الى ان يستعين بالصهاريج، لان الشركة عاجزة عن تزويده بالمياه. وسئل احد المسوؤلين عن احوال الاحتياط التي تستخدم في الازمات، فقال انها اختفت وبدّل الحديث. وتردد ان هذه الاموال ذهبت لتمويل مشاريع السدود الفاشلة التي انفقت ملايين الدولارات عليها، ذهبت هباء وهدراً.
ولاقى وزير الاتصالات شركة مياه بيروت وجبل لبنان، فاعلن ان اوجيرو تعد الزيادات التي ستفرض على وسائل الاتصالات، وشرح ان الرسوم هي اليوم على اساس سعر الدولار 1500 ليرة، ولكنها ستصبح زيادة خيالية لانها ستحتسب على سعر دولار المنصة اي 22 الف ليرة، وكلما ارتفع دولار المنصة ترتفع معه. وماذا قدم للمواطنين مقابل هذه الزيادة لا شيء. بلى لقد قدم لهم انترنت لا يعمل الا على الصدفة. فقد تفتحه اليوم وتنتظر احياناً 24 ساعة حتى يتحرك. اما 3G فلا يعمل البتة. وبالنسبة الى المكالمات الهاتفية، فقد تنقطع المكالمة مرات عدة وتضطر الى اعادة الكرة مراراً حتى تكمل حديثك.
اما كارثة الكوارث فهي الكهرباء، ورغم ان المواطن يعيش في عتمة دائمة، فان الحكومة منكبة على رفع الفاتورة مئات الاف الليرات، دون ان تفي ولو بوعد واحد، بالتواريخ التي حددتها لاستجرار الطاقة من الاردن والغاز من مصر. يوم اعلن عن هذا المشروع حددت الحكومة نهاية العام 2021 لانجاز الاعمال وايصال التيار. ثم عادت فحددت شهر شباط، وانقضى الموعدان وبقيت العتمة سيدة الموقف، ولم تعد الحكومة تجرؤ على تحديد موعد جديد. ذلك ان الخلافات التي تعصف داخل الحكومة، تسد طريق اي اصلاح او خطة. فوزير الطاقة يعود الى معمل سلعاتا التي اثبتت كل الدراسات انه بلا فائدة، وانه مشروع لهدر الاموال ومع ذلك فالوزير متمسك به، فضلاً عن ان الخلاف الاقوى يدور حول الهيئة الناظمة، التي رفضها فريق من السياسيين، رغم انها شرط اساسي للبنك الدولي ولصندوق النقد الدولي. فالمنظومة لا تريد تسليم الهيئة الاشراف على القطاع، وتريد ان تبقى متحكمة به وتديره على هواها ووفق مصالحها لانه بقرة حلوب، والرئيس ميقاتي يعمل على انتزاع هذا الملف من ايدي السياسيين القابضين عليه، ويريد اللجوء الى العرض الالماني الذي يؤمن الكهرباء 24/24 بطريقة الـ BOT دون ان يكلف الدولة اي اموال. وهكذا يدور الخلاف ويسد طريق الاصلاح. الامر الوحيد الذي تم الاتفاق حوله هو رفع قيمة التعرفة الى مئات الاف الليرات تشبهاً بمافيا المولدات التي تدخل بقوة على خط الكهرباء لعرقلة اي اصلاح، لانه يؤثر على مصالحها.
مجلس الوزراء في جلسته يوم الجمعة اعلن انه تم الاتفاق مبدئياً على خطة الكهرباء، شرط ان يعيد وزير الطاقة صياغة البنود التي طرأت عليها تعديلات. فاذا التزم الويزر بكل التعديلات تقر الخطة نهائياً والا تستمر الخلافات والتجاذبات. ما هي التعديلات، وما هو مصير الهيئة الناظمة التي هي اساس اي اصلاح وما هو مصير معمل سلعاتا الذي يصر عليه الوزير فياض؟ اسئلة تتوضح الاجوبة عليها بعد اجراء التعديلات.
هذه هي حكومة معاً للانقاذ. فهي لانقاذ المنظومة وتغطية فسادها والخسائر التي تسببت بها وافرغت خزينة الدولة والجيوب معاً، وهي حكومة نقمة على المواطنين الذين باتوا اعجز من ان يتمكنوا من سد كل هذه الرسوم والضرائب وهي لو فكرت قليلاً وسألت نفسها من اين يأتي المواطن بالاموال ليسدد كل ما تطلبه وتتذكر ان جنى عمره منهوب وتعويضاته ابتلعها الانهيار، ربما لم تكن لتقدم على ما تقوم به. فالحكم مسؤؤلية والحكومة التي تمثل المنظومة الفاسدة ابعد الناس عن المسؤولية.
من المتعارف عليه ان الحكومة يجب لدى فرض الزيادات الضريبية ان تراعي دخل المواطنين لتوازن بين المصلحتين، الا ان الحكومة عندنا، لا تهتم الا بمصلحتها متجاهلة مصلحة الناس. والا كيف تفرض زيادات بالملايين على الخدمات والحد الادنى للاجور ثلاثون دولاراً؟ طبعاً لا جواب لان الذين يفترض فيهم حماية الشعب، وهم نواب الامة، يتنصلون من اي مسؤولية تجاه ناخبيهم، ولم يسبق لهم ان وقفوا ولو مرة واحدة الى جانبهم. فيا ايها اللبنانيون تذكروا كل هذا وانتم وراء الستار العازل في قلم الاقتراع، واختاروا من يمثلكم حقاً وبالفعل، والا تحملوا المسؤولية.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق