افتتاحية

لماذا انتم باقون…؟

فضيحة التعتيم على اللبنانيين ليست غريبة، فهي من صلب «الانجازات» التي حققتها هذه الحكومة منذ اكثر من ستة اشهر. والتعتيم اصبح سياسة دائمة في ظل سياسيين ليسوا على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقهم خطأ. فهناك التعتيم على الهدر والفساد، والتعتيم على الفضائح التي تنخر الادارة يومياً وتحجب الحقيقة عن الانظار، الا ان فضيحة التعتيم الكبرى هي نشر الظلام على جميع الاراضي اللبنانية. ورغم مرور اكثر من شهر على هذه العتمة، لم تجد الحكومة بعد الحل لاعادة التيار الكهربائي، فلماذا هي باقية الى الان؟
لقد فشلت هذه الحكومة في الحوار مع صندوق النقد الدولي، وفشلت في ايجاد حلول للازمة الاقتصادية والمعيشية، وفشلت في تثبيت سعر صرف الدولار، وتركت الليرة اللبنانية تنهار، ومعها معاشات الموظفين في القطاع العام، وافلاسهم في القطاع الخاص، لانه لم يعد هناك لا مؤسسات تعمل ولا اجور، فعمت البطالة واقفلت الشركات والمحلات وغابت فرص العمل واصبح اللبناني في حالة مزرية لم يشهد مثيلاً لها حتى في ايام الحروب السوداء. وبدل ان تستنهض الحكومة الهمم وتنصرف الى معالجة القضايا الملحة، تحاول الهروب الى الامام، بشن حملات عنيفة على معارضيها، متهمة اشخاصاً وجهات لم تسمهم، ربما لانهم غير موجودين الا في خيالها، ومن ضمن عدة الشغل الذي اصبح الوحيد الذي تعمل عليه. فان كانت حقاً غير قادرة، وانها ليست على قدر المسؤولية وهذا ظاهر من اعمالها، فلماذا لا تقدم استقالتها، ولماذا المكابرة؟
يتحدث اركان الحكومة وبالتحديد رئيسها حسان دياب عن «اصدقائنا في الخارج»، فهل ان حكومته تركت لنا اصدقاء؟ فهي باستثناء الجهات التي اتت بها وتدعمها لتبقى واقفة على رجليها، لا تملك تأييد جهة واحدة في الخارج، باستثناء جهات معلومة لدى الجميع. فلا الاشقاء العرب الذين طالما وقفوا الى جانب لبنان في الملمات ودعموه، ولا المجتمع الاوروبي والاميركي وغيرهما معها، لا بل انهم يحجمون عن مساعدة لبنان بسبب سياستها التي ترفض القيام باي اصلاح وهي تتصرف على اساس انها حكومة اللون الواحد، فلا تكنوقراطية ولا استقلالية، بل وجود سياسي مقنع.
لقد بات واضحاً ان العالم لا يريد ان يترك لبنان يسقط، رغم عدم تأييده لهذه الحكومة، ولكنه لا يزال يعلل النفس، بانها ستستفيق من غفوتها الطويلة وتنفذ بعض الاصلاحات الملحة والضرورية لمصلحة الشعب اللبناني، فلماذا لا تبادر؟ لماذا لا تحاسب الذين بددوا اموال الخزينة، وهناك طرق عدة لذلك، وسبق ان تحدث جميع الخبراء عنها؟ لماذا لا تنزه نفسها عن سياسة المحاصصة التي كانت السبب في هذا الانهيار، وهي جاءت الى الحكم لوضع حد لهذه الممارسات المدمرة؟ ان اصدق توصيف للوضع اللبناني الراهن جاء على لسان الامين العام لجامعة الدول العربية ابو الغيط الذي قال ان القضية ليست ازمة اقتصادية وحسب، بل هي اخطر من ذلك بكثير. والاشد خطراً هو ان السياسيين غير مبالين بما يجري، وهم بعيدون عنه ولا تهمهم سوى مصالحهم الخاصة. لقد ادرك الشعب اللبناني ذلك بكل وضوح ولذلك يطالب الثوار بانتخابات نيابية مبكرة تزيح هذا الطاقم السياسي الظالم وتأتي باناس يتمتعون بالكفاءة والنظافة ويكون همهم مصلحة الوطن.
تعلم الحكومة او ربما لا تعلم واصبحنا نشك بقدرتها على معرفة الامور، ان الصندوق الدولي هو الحل الوحيد المتوفر حالياً لانتشال لبنان من الهوة التي اسقطه فيها السياسيون، ومع ذلك لا تزال منذ اكثر من شهرين تفاوض صندوق النقد الدولي دون تحقيق اي خطوة الى الامام، لانها لم تقدم حتى الساعة ما يشجع الصندوق على الثقة بها، خصوصاً بعد كلام مديرة الصندوق التي قالت ان حكومة لبنان غير قادرة على انجاز الاصلاحات. ومعلوم ان التباين لا يزال قائماً حول ارقام الخسائر، لذلك فان الاجواء التي يعكسها الصندوق لا تبعث على التفاؤل، لان المهم عنده ما يقدمه لبنان عن الاصلاحات، الا ان الحكومة ورغم الضغوط الداخلية والخارجية لا تزال تحجم عن القيام باصلاحات اللهم الا في التصاريح الفارغة الجوفاء الخالية من اي مضمون. لو كانوا جديين، او قادرين لما استمر انقطاع التيار الكهربائي منذ اكثر من شهر وحتى الان وبات التقنين هو الاساس والتيار هو الاستثناء. وفي كل يوم يطل وزير الطاقة ويعد بتحسن الوضع، ولكن شيئاً لا يتحقق وبعد ان قال ان التيار سيعود الى طبيعته يوم الاربعاء زاد التيار ساعة واحدة في اليوم فهل هذا هو التحسن. وزير الطاقة حدد الاربعاء ولكنه لم يشر الى اي اربعاء فربما انه اربعاء في العام 2100، المطلوب ان يجمع المسؤولون وزراء الطاقة منذ العام 1990 ويحققوا معهم عن الاموال المهدورة والتقصير في العمل، ويجب الا يفرجوا عنهم الا بعد جلاء كل الحقيقة وتوضيح اين طارت مليارات الدولارات واين حطت. ان الامور من سيء الى اسوأ، كذلك فان المعابر غير الشرعية لا تزال فالتة بقوة الامر الواقع والحكومة لا تجرؤ على ضبطها.
وسط هذه الفوضى العارمة والتقاعس القاتل والفشل على جميع الاصعدة قدم مستشار وزير المالية استقالته، وتبعه مدير عام وزارة المالية آلان بيفاني، مما يعكس التخبط الذي تقع فيه الحكومة والتي يتبين يوماً بعد يوم انها عاجزة. ان الاوضاع المعيشية الخانقة والكورونا تلهيان الثوار بعض الشيء، الا ان الجوع الذي بدأ يؤدي الى الانتحار يؤجج موجة الغضب التي قاربت نقطة الانفجار، وعندها لن يتمكن اي طرف من ضبطها.
لقد اثبتم فشلكم واظهرتهم للعالم انكم لستم على قدر المسؤولية، فسارعوا الى تقديم استقالاتكم وارحلوا قبل فوات الاوان.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق