افتتاحية

هذا هو اصلاح الحكومة… فاستبشروا

اللقاء الحواري الذي دعا اليه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في القصر الجمهوري في بعبدا شغل الاوساط السياسية على مدى ايام. وكثرت التكهنات والتصريحات من يحضر ومن يقاطع. اما الاوساط الشعبية فلم تهتم بالموضوع وكأنها غير معنية بهذا المؤتمر. فلماذا؟
لقد عقد الكثير من المؤتمرات الحوارية والاجتماعات المتعلقة بالموضوع وصدرت عنها بيانات ومقررات ولم يحترم، اي منها، بل كانت تسقط عند باب القاعة التي عقد فيها المؤتمر، لذلك فان الشعب لم يعد يؤمن بان خيراً يمكن ان ينتج عن هذه الطبقة السياسية، التي اوصلت البلد الى حالة الانهيار. وان كان رئيس الجمهورية لم يفقد الثقة بها بعد. مصادر قصر بعبدا شرحت الغاية من المؤتمر، فاكدت ان الهدف تدعيم الوحدة الوطنية وتطويق محاولات زرع الفتنة ومواجهة المخاطر بصف واحد وقرار واحد، غير ان المواطنين لم يعودوا يؤمنون بانه يمكن ان يجترح هؤلاء، السياسيون الحلول للمشاكل القائمة، خصوصاً وان توحيدهم امر صعب، بعدما تصعدت الخلافات الى درجة عالية من التوتر وتبادل الحملات والاتهامات.
المواطنون هم على حق، لان الاحداث والوقائع اظهرت ان الطبقة السياسية الحالية لم يصدر عنها يوماً ما يخدم المصلحة الوطنية، بل انها تعمل لمصالحها الخاصة، حتى انها فقدت ثقة المجتمع الدولي برمته الذي اعلن ذلك مرات عديدة، وصنف لبنان في درجة عالية في سلم الفساد. فهل يلام الناس اذا فقدوا ثقتهم بهم؟ وما يقال عن السياسيين ينطبق تماماً على الحكومة التي اعطيت الفرص اللازمة لتحقيق الاصلاح، فاذا بها تكتفي بتشكيل اللجان، حتى اصبح هناك تخمة في هذا المجال، والاكثار من التصريحات التي تتحدث عن انجازات لم يلمس لا المواطنون ولا المجتمع الدولي اياً منها. ولا غرابة في ذلك فهذه الحكومة هي ممثلة للسياسيين الذين يقفون وراءها، وهي تلبي رغباتهم. فكيف يمكن الوثوق بانها قادرة على التغيير؟
قال رئيس الحكومة انه ليس من السياسيين ولن يكون منهم. هل نسي انه في فترة ما كان وزيراً في السلطة وعمل معهم؟ وهل نسي، وحبر التعيينات لم يجف بعد، انه دخل في محاصصة معهم ونال حصته، بعدما كان قد رفض هذه التعيينات وسحبها من على طاولة مجلس الوزراء، ثم عاد وقبل بها وباركها، هل نسي انه الغى معمل سلعاتا لتوليد الكهرباء، ثم خضع للارادة السياسية فعاد وقبل به؟ لقد سقطت الحكومة من خلال التعيينات الاخيرة وسقط معها كل امل بالاصلاح، وهي مسترسلة في سياستها الخاطئة والمهينة للبنانيين. لانها لا تجد في مواجهتها قوة رادعة توقفها عند حدها، خصوصاً وان المعارضة وبدل تجميع قواها لوقف هذه السياسة، تعمق الخلاف في ما بينها وتشتت قواها، وهذا سبب اضافي لتمضي الحكومة في نهجها غير عابئة بما يتردد من انتقادات. وكان الامل معقوداً على ثورة 17 تشرين، ولكن هذه الثورة، وبعد ركود بسبب كورونا، عادت في 6/6/ بصورة لا تشبهها، اذ نجحت السلطة والاحزاب الداعمة لها في شل الحركة الثورية النظيفة والبستها وجهاً لا يليق بها. ويبقى الحل في ان تتنادى قوى 17 تشرين المخلصة للثورة والتي تتحرك من اجل المصلحة الوطنية، فتوحد قواها وتشكل هيئة تنظيمية تضم الفئات التي تثور حقاً من اجل الاصلاح والانتخابات المبكرة، وتضع البلاد في الطريق الصحيح للخروج من المأزق الذي زجتها به الطبقة السياسية، وتمنع الحكومة من الانزلاق نحو السياسة بعيداً عن التقنية التي وصفت نفسها بها، وهي بعيدة عنها. فهذه الحكومة ما كان من الممكن ان تبقى في مركز المسؤولية يوماً واحداً لولا الخوف من ان يحول الخلاف السياسي دون القدرة على تشكيل حكومة بديلة، وهذا ما يعطيها قوة البقاء. فتصوروا كيف ان حكومة تفاوض الصندوق الدولي لدعم لبنان عاجزة عن توحيد ارقامها مما اثار سخرية المجتمع الدولي.
وفي ظل هذه الاجواء السياسية والاداء المتدني تواصلت الازمات المعيشية والمرتبطة بالازمة المالية من الكهرباء الى الطاقة بجميع انواعها وخصوصاً المازوت، الى اسعار السلع والمواد الغذائية، وقد فشلت الحكومة في وضع حد لانهيار الليرة وضبط الاسعار الى الازمة التعليمية بحيث ان عدداً من المدارس بات مهدداً بالاقفال. فالضائقة المالية دفعت الكثيرين من ترك المدارس الخاصة الى المدارس الرسمية التي لا تستطيع ان تستوعب هذا الكم من الطلاب.
وسط هذه الاجواء القاتمة يعيش اللبنانيون في العتمة. فالتيار شبه معدوم في معظم الاوقات لان الفساد الذي نخر وزارة الطاقة على مدى سنوات اوصلنا الى هذه الحالة. ولا تكتفي الحكومة بعدم تأمين الكهرباء، بل تعجز عن تأمين المازوت للمولدات التي بدأ اصحابها يهددون بوقف مد المواطنين بالتيار. هذا هو الاصلاح الذي جاءت الحكومة من اجله… فاستبشروا.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق