افتتاحية

الثقة معدومة والامل بالانقاذ صعب المنال

تعلم الحكومة ومعها جميع المسؤولين ان الثقة الداخلية والخارجية بلبنان الحالي، لبنان الذي اوصله هذا الطاقم السياسي الى ما هو عليه الان، مفقودة تماماً، ولن تستعاد الا بخطوات اصلاحية تبدل المسار الحالي. ولكن كيف يتم هذا الاصلاح والحكومة الجديدة التي يفترض فيها ان تقود ورشة كبيرة في هذا المجال، تبنت قبل ايام موازنة ليست من صنعها بل وضعتها حكومة استقالت تحت ضغط الشارع؟ فلو ان هذه الموازنة ارضت الثوار لما كان الرئيس الحريري قدم استقالته. انها موازنة صيغت على عجل لامتصاص نقمة المواطنين على المسؤولين، ويبدو من الصعب ان تلبي حاجات الناس، وتعيد الثقة اليهم والى المجتمع الدولي.
لقد كانت جلسة اقرار الموازنة الاسرع والاقصر في تاريخ لبنان. حضر رئيس الحكومة حسان دياب منفرداً ودون وزراء، فبدا اعزل من اي سلاح يمكنه ان يدافع به عن حكومته، واقرت الموازنة بنسبة اصوات هزيلة لم تتعد 49 صوتاً فيما اعترض 13 نائباً وامتنع او صوت ضدها 8 نواب. واللافت ان اكتمال النصاب مدينة به هذه الحكومة لكتلة تيار المستقبل التي حضر نوابها في اللحظة الاخيرة وامنوا النصاب.
ومعلوم ان الاوضاع في لبنان تتبدل يومياً في ظل الثورة الشعبية العارمة، التي حاولوا بشتى الطرق وقفها، واطلقوا الشائعات ضدها، ومارسوا القمع معها وبقيت هي هي لا تتزحزح. ولذلك كان يتوجب على حكومة دياب ان تسحب الموازنة وتدخل تعديلات عليها، حتى تصبح ملائمة للوضع القائم والمستجد، خصوصاً وان الايرادات المقدرة مبالغ فيها. ففيما كان المسؤولون يقولون ان العجز في الموازنة صفر بالمئة، هاهم الخبراء يتوقعون ان يرتفع العجز الى 7 بالمئة، على اقل تقدير، وربما اكثر بكثير. كذلك فان هذه الموازنة لا تتضمن اصلاحات، اي بعكس ما يطالب به المجتمع الدولي لمساعدة لبنان. وتستغرب الدول الصديقة والتي تحرص على لبنان، كيف ان المسؤولين ماطلوا طوال ثلاثة اشهر لتشكيل هذه الحكومة، في وقت البلد ينهار وكان ولا يزال يتطلب معالجة سريعة. ورغم النصائح المتلاحقة والملحة التي قدمتها هذه الدول الى السياسيين اللبنانيين، فانهم لا يزالون يتصرفون بالذهنية عينها التي اوصلت البلد الى الخراب.
ان حكومة دياب، اذا ارادت ان يكتب لها النجاح، عليها قبل كل شيء معالجة وضع الكهرباء الذي اصبح حديث القاصي والداني. فبعد ثلاثين سنة ونيف على انتهاء الحرب اللبنانية، لا يزال التزود بالتيار الكهربائي على حاله وكما كان في اليوم الاول، وان لم يكن اسوأ. فماذا فعل الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الطاقة؟ واين ضاعت الاموال التي انفقت لتأمين التيار، وتفوق الاربعين مليار دولار؟ ويقول الخبراء ان هذا المبلغ الضخم لو انفق بصورة سليمة، وبدون هدر وفساد، لكان امن للبنان ولقسم من الدول العربية المجاورة ما تحتاج اليه من كهرباء. من هنا ضرورة ان تسارع الحكومة الى المحاسبة والتحقيق مع الوزراء الذين تعاقبوا على الطاقة منذ 1990 وحتى اليوم. وربما نحن نطلب المستحيل في هذا المجال، اذ من يحاسب من؟ ومن هي الجهة التي تتمتع بالنظافة والشفافية وتتجاوز جميع الضغوط مهما عظمت، وتتولى اجراء تحقيق شفاف، مع العلم ان هناك اشخاصاً يعتبرون انفسهم فوق القانون وفوق المحاسبة. لقد كان المسؤولون يخدرون الناس ويوهمونهم بان التيار عائد 24/24. وفي وقت قريب، واذا بوزير الطاقة الجديد يخيب الامال ويقول: ان تأمين التيار الكهربائي بصورة كاملة ليس في الامد المنظور. فضاعت امال الناس وضاعت الثقة معها.
السياسيون استخفوا بعقول اللبنانيين وكانوا يعدونهم بالمن والسلوى، فاذا بالايام تكشف العكس. لقد بقينا اشهراً طويلة نسمع المسؤولين يرددون ان سعر صرف الليرة ثابت ولن يتبدل، واذا به ينهار فجأة ويبدأ الدولار بالارتفاع حتى لامس الالفين والخمسمئة ليرة، في لعبة جهنمية شاركت فيها اطراف كثيرة. فهل من تحقيق يحدد المسؤولية؟ مع العلم ان الليرة فقدت 40 بالمئة من قيمتها، وانعكس ذلك غلاء فاحشاً صعّب على اللبنانيين حياتهم. وهو يهدد بثورة الجياع، التي اذا اندلعت ستقضي على الاخضر واليابس. وجاء اخيراً وزير المال يقول انه من غير المتوقع ان يعود سعر الليرة الى ما كان عليه قبل الثورة، فهل ان المسؤولين كانوا يخدعون الناس؟
من هذا المنطلق يبدو الامل ضعيفاً، وانتشال لبنان من الهوة التي اوقعوه فيها، امر صعب المنال. فماذا تستطيع ان تفعل حكومة اللون الواحد التي يهدد وضعها بعدم مد اليد اليها؟ وهل سنغرق اكثر دون ان نجد يداً تنتشلنا من الهوة قبل فوات الاوان؟

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق