افتتاحية

هكذا تتجنبون الخضات… وتحلون الازمة المالية

باشر مجلس الوزراء مناقشة الموازنة العامة لعام 2019، بعد اسابيع من الخلافات حول بنودها، ووسط تسريبات خلطت الحابل بالنابل، فلم يعد احد يعرف ما هو الصح وما هو الخطأ. وحتى بعد طرحها على مجلس الوزراء بقي الغموض يلف معظم البنود لان رئيس الحكومة سعد الحريري اوصى بعدم تسريب المضمون حتى يتم اقرارها. ورغم ذلك كثرت التكهنات حول ما ستتضمنه الموازنة من ابواب لخفض العجز، وما هي القطاعات التي ستشملها الزيادات في الرسوم، واي الفئات من الموظفين الذين ستتعرض رواتبهم للتخفيض وباي نسبة؟ ثم ماذا عن الانفاق والخفض الذي سيطاول بعض البنود؟ وهل تم الاتفاق على ذلك؟ لا نثق بهذا المجال كثيراً، لان التجارب السابقة كانت فاشلة. فهل يتغير الاسلوب هذه المرة بعدما وصلت الامور الى الخط الاحمر؟ ان كل هذه الطروحات تستلزم توافقاً سياسياً بين مكونات الحكومة، وهذا امر ضروري لتأمين هدوء الشارع، والا انصرفت الفئات التي ترى ان مصلحتها غير مؤمنة الى تحريك الاحتجاجات.
الموضوع متشعب وصعب ودقيق ولكن هناك امور بديهية واضحة للعيان، لو ان الدولة لجأت اليها، لما احتاجت الى اي اجراء غير شعبي، ولكانت وفرت على نفسها الخضات التي تشهدها البلاد خصوصاً بعد الاعلان عن الصيغة النهائية للموازنة.
اولاً: كان على الحكومة ان تلجأ الى الذين افرغوا الخزينة من محتوياتها، واوقعوا البلاد في هذه الازمة الاقتصادية والمالية الخطيرة، فتسترجع منهم كل ما هو حق للدولة، وبذلك تؤمن كل متطلباتها، ولا تعود بحاجة لا الى تخفيضات في الرواتب، ولا الى فرض ضرائب جديدة على المواطنين. ولكن من هي الجهة القادرة على تنفيذ هذا التدبير؟
ثانياً: هناك مسؤولون وسياسيون يقبضون من خزينة الدولة راتبين واحياناً ثلاثة او اكثر. فلتوقف الحكومة هذه الفوضى وتطبق القوانين بحيث لا يقبض اي انسان من الخزينة اكثر من راتب واحد بدل عمله الحالي.
ثالثاً: هناك نواب مروا مرور الكرام على المجلس النيابي ورفض الشعب اللبناني اعادتهم والتجديد لهم، وفشلوا في الانتخابات، فلماذا تستمر الدولة في دفع رواتب لهم؟ ومقابل اي عمل يقومون به؟ واي قانون يسمح باعطائهم هذه المستحقات. طبعاً الا قوانين سنوها انفسهم يوم كانوا في السلطة التشريعية، ولم يصادفوا من يعترضهم او يقف بوجههم؟ فالحق يفرض وقف الدفع الى هؤلاء.
رابعاً: كشف وسائل الاعلام في الاسابيع الاخيرة عن ارقام خيالية تسجلها رواتب بعض الموظفين، فضلاً عن قسم منهم يتقاضون ايضاً اكثر من راتب. فلماذا هذا التمييز وما هي المؤهلات التي تخولهم قبض هذه المبالغ من خزينة الدولة؟ لذلك يتوجب على الحكومة اعادة النظر في هذه الرواتب وتحديدها بما يتناسب مع طبيعة الوظيفة ومؤهلات شاغلها.
خامساً: هناك ابواب الهدر والفساد، وما اكثرها بشهادة المسؤولين انفسهم، من المرفأ الى الجمارك الى الصفقات والسمسرات، الى المطار، الى ايجارات مبانٍ تدفع من خزينة الدولة بارقام خيالية، الى التهرب الضريبي والقروض المدعومة، ومنع التهريب. والضريبة على القيمة المضافة وتهرب بعض الشركات من دفعها، والهدر في التعويضات المرتفعة، ونفقات سفر السياسيين التي تصل احياناً الى حد البذخ، ووقف التوظيف السياسي الذي حشر الاف الموظفين من اجل مصالح انتخابية، واعادة النظر في الجهاز الاداري الفضفاض.
لو ان الحكومة عمدت الى تطبيق هذه البنود لانتعشت البلاد وعم الازدهار، وانقذ الشعب من الفقر والجوع. ولكن هذه الامور البديهية في بلدان العالم، هي مستحيلة عندنا، وليس من جهة قادرة على تحقيقها لماذا؟ لا نعلم نترك للمسؤولين وللشعب ان يجيبوا على هذه التساؤلات.
واخيراً وليس اخراً على ذمة المسؤولين، لا ضريبة خمسة الاف ليرة على البنزين ولا زيادة على القيمة المضافة TVA، فنرجو ان يكون هذا القول صحيحاً. لانه لو ان الدولة اقدمت على هاتين الزيادتين فانها بذلك تكون تلجأ الى جيوب الفقراء لسد العجز، وعندها تؤسس حتماً لثورة جياع. لان ارتفاع الـ TVA والبنزين سيساهمان في زيادة اسعار المواد الاستهلاكية، فلا يعود للطبقتين الفقيرة والمتوسطة القدرة على تأمين معيشة افرادهما.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق