افتتاحية

سقط الحل والمطلوب معجزة

العيدية التي وعدوا بها اللبنانيين، والتي بدت حقيقية واقرب الى التصديق، لم تكن سوى مناورة قام بها سياسيون، سرعان ما تبخر الحلم وسقطت الوعود. اعتقد اللبنانيون للحظة ان هذه الطبقة السياسية التي ابتلي لبنان بها، عادت الى رشدها وادركت ان المصلحة العامة هي فوق كل المصالح الشخصية، ولكن تبين بعد ساعات ان المعطلين لم يشبعوا بعد، وان الحكومة غير مسموح لها ان تبصر النور. فعادت العقد تسد طريق التأليف. وبرز تراجع النواب الستة عما وعدوا به، وعادوا الى سيرتهم وقالوا انهم غير مسؤولين عن التعطيل. ونحن نعلم ان القرار ليس عندهم ولذلك فلن نلومهم، بل نلوم الناخبين الذين اوصلوهم الى البرلمان. لماذا لا ينزلون الى الشارع ويعلنون سحب التوكيل الذي منحوهم اياه بعدما رأوا انهم يعطلون الحل ويساهمون في تدمير الاقتصاد؟ ان الحل الوحيد الباقي هو السترات الصفراء التي بدت طلائعها يوم الاحد، والتي نأمل ان تكمل مسيرتها لتعم كل المناطق اللبنانية فتؤتى ثمارها، وتضع هذه الطبقة السياسية عند حدها.
ارتفعت نسبة الامل عند اللبنانيين عندما اخذ رئيس الجمهورية المبادرة واجرى سلسلة مشاورات شملت مختلف القوى السياسية المعنية بازمة تشكيل الحكومة. هذا الامل الذي تلقفه المواطنون كان حذراً، وسرعان ما تبخر، اذ بدا ان التعطيل هو اقوى من اي مبادرات، مما يوحي بأن ظروف التأليف لم تنضج بعد، واصرار الرئيس عون والمعنيين بتشكيل الحكومة لم يستطع تجاوز العقبات التي رفعها المعطلون بوجه التأليف، فتعقدت الازمة ولم يتم تشكيل حكومة، ينتظرها البلد منذ سبعة اشهر. طبعاً اللبنانيون لم يكونوا يتوقعون الكثير من هذه الحكومة لو تشكلت، لقد علمتهم التجارب عدم الافراط في التفاؤل.
مبادرة رئيس الجمهورية جدية ومسؤولة وقد سعى في لقاءاته مع قيادات الكتل النيابية والقوى السياسية الى تقريب وجهات النظر وبلورة حل ينهي الفراغ ويساهم في توليد تشكيلة تكون قادرة على العمل فيلتف حولها الجميع وتستطيع ان تعمل يداً واحدة لانقاذ البلد. وفي مطلق الحالات يبقى الحوار والتضامن والعمل يداً واحدة افضل الطرق للوصول الى نتائج ايجابية وهذا ما اعتمده رئيس الجمهورية وصرف النظر عن توجيه رسالة كان ينوي توجيهها الى المجلس النيابي يعرض فيها الوضع ويصارح الجميع بما يجري، لان هذه الرسالة لن يكون لها اي مفاعيل ايجابية بل انها تزيد الوضع تأزماً، وتفتح باباً الى الجدل العقيم، يؤدي في النهاية الى تعميق الخلاف وتصعيد المواقف. ورغم ذلك سقطت المبادرة عند اطماع البعض وبقي الفراغ.
الموضوع الرئيسي في الحوار الذي قاده الرئيس عون كان التدهور الاقتصادي الذي يستنزف كل فئات الشعب اللبناني. وقال للجميع ان تشكيل حكومة وحده يوقف هذا النزف وهذا التدهور. افكار كثيرة عرضت في اللقاءات، امكن من خلالها تظهير المواقف والنوايا وقد دلت على عمق الخلافات السياسية القائمة التي تسد طريق اي تقدم او اصلاح. فما يقوله هذا الفريق يرد عليه الفريق الاخر بالعكس. وبدا مؤكداً ان تقريب وجهات النظر بين الافرقاء مهمة شبه مستحيلة، الا اذا تم تغليب العقل ومصلحة البلد دون ما عدها. وهذا غير متوفر في الوقت الراهن.
لقد مل اللبنانيون من الفراغ المتنقل في المراكز العليا في الدولة، بدءاً من رئاسة الجمهورية التي بقيت شاغرة على مدى اكثر من سنتين ونصف السنة. وها هو الفراغ يطاول اليوم مجلس الوزراء برمته، فهل من المعقول ان ينهض بلد ليس فيه حكومة تدير شؤونه وترعى مصالح مواطنيها؟ لقد حاولوا ابتداع صيغ وادخال اعراف لم يشهدها لبنان من قبل فسدت طريق التأليف. وعلى الرغم من التحذيرات المتتالية من الوضع المالي وعجز الخزينة، قدموا مشروع حكومة من 32 وزيراً، وكأنهم بذلك يريدون زيادة الانفاق وتحميل الخزينة المزيد من الاعباء، وهي اصلاً غير قادرة على مواجهة الوضع القائم، فسقط الطرح. وسأل المواطنون لماذا لا يصار الى تشكيل حكومة اقطاب مصغرة تتولى الامور، وقد اثبتت حكومة الوزراء الاربعة في الماضي انها كانت الافعل والانشط في تاريخ لبنان، فلماذا لا نعتمد هذه الصيغ المصغر والفاعلة؟
ضرر التعطيل اصبح كبيراً جداً على مجلس الوزراء وخصوصاً على العهد الذي دخل سنته الثالثة دون ان يتمكن من فتح ملف المشاريع الكبرى ويباشر العمل بها، وفق ما جاء في بيان القسم. لقاءات بعبدا التي جمعت رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب وضعت المداميك الاساسية لتسوية تولى رئيس الجمهورية تسويقها. لقد كانت المهمة صعبة خصوصاً بعدما استقبل وفد حزب الله، اذ صرح النائب محمد رعد بان هناك عصف افكار وللبحث صلة، مما اوحى بان الاتفاق لم يكن تاماً حول كل المواضيع التي طرحت، ثم جاء اللقاء مع النواب السنّة الستة الذين تبين من تصريحاتهم ان الامور عادت الى نقطة الصفر، لقد اوحوا بانهم يريدون تسهيل التأليف ولكنهم سرعان ما عادوا الى تصلبهم.
من يتحمل ضياع المكاسب التي حققها مؤتمر «سيدر» للنهوض بالاقتصاد والبلد، خصوصاً وان بعض القوى الخارجية بدأت تحذر من احتمال ضياع الاموال التي خصصت للبنان وتحويلها الى بلدان اخرى؟ ومن يستطيع ان يتحمل الوضع المتردي في الجنوب والذي يهدد بمغامرة اسرائيلية جديدة تقضي على اي امل بالنهوض؟ ان ما يشهده لبنان اكبر بكثير من القوى السياسية على الساحة والمطلوب معجزة تنقذ هذا البلد.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق