افتتاحية

لماذا حولوا الوزارات الى ملكية خاصة؟!

«حلت العقد وسلكت طريق التشكيل»… «كلا لم تحل وربما عدنا الى نقطة البداية». هكذا هي الحال بالنسبة الى تشكيل الحكومة المنتظرة منذ اكثر من خمسة اشهر. تفاؤل في بيت الوسط، لا ينعكس في اجواء بعبدا، والعكس بالعكس. فالسياسة في لبنان تكاد لا تستقر على رأي، والمواطن ضائع تتقاذفه الهواجس والازمات المعيشية المتلاحقة، ويشعر وكأنه متروك لقدره. حتى مع تشكيل حكومة جديدة فالوضع لن يتبدل كثيراً. هكذا عودنا السياسيون، وهكذا سيستمرون. لماذا برزت العقدة الاخيرة فهل ان اوان تشكيل الحكومة لم يحن بعد في روزنامة بعض الاطراف؟
ابتدعوا الاعراف التي لا اساس لها. كما صنفوا الوزارات وسموا بعضها سيادية، والبعض الاخر اساسية خدماتية، ووزارات من الفئة الثالثة لا تغوي احداً، مع ان الوزارات كلها متساوية من حيث الاهمية، اذا وجدت من يدير شؤونها، ويستخدم صلاحياته كاملة في ادارتها. فلماذا لا تلغى الاعراف؟ ثم من هي الجهة المخولة تحديد الاعراف؟ ولماذا لا يلغى توزيع الوزارات حصصاً للاحزاب والكتل، حيث اصبح شاغل كل حقيبة وكأنه كسب ملكيتها يديرها لا وفق مصلحة البلد، بل يسخرها لمصالحه الخاصة؟ فتخصيص الحقائب مخالف للدستور، فضلاً عن انه يعرقل عملية تشكيل الحكومات. والغريب في الامر ان كل طرف سياسي، تحول الى رئيس مكلف يتصرف وكأن الدستور اناط به مهمة تشكيل الحكومة، فيتجاوز بتصرفاته الرئيس المكلف وفق الدستور، ويوزع الوزارات وفق مصالحه. فهذه الوزارة لا نقبل بان تعطى لهذا الطرف، وهذا الشخص لا يصلج ليشغلها. وهذا الشخص يجب توزيره الى اخر المعزوفة. وهكذا يختلط الحابل بالنابل، فتكثر العقد وتتعرقل الامور، وتتوالى الشروط والشروط المضادة. هذه السياسة البعيدة كل البعد عن المفهوم الصحيح للسياسة ساهمت في بقاء لبنان على مدى سنتين ونصف السنة بلا رئيس للبلاد يدير شؤؤنها. وبدا السياسيون وكأنهم قصّار وانهم بحاجة الى يد خارجية تنتشلهم مما يتخبطون فيه، وتبقى الامور تراوح مكانها في كل مرة الى ان تتم التسوية وتكون حتماً بوحي من الخارج، لان عقول السياسيين اللبنانيين لا تستنبط الحلول.
وهناك ما هو ادهى واشد. لقد تشبث كل طرف من الاطراف اللبنانية بالوزارات التي يشغلها، وكأنها ملكية خاصة. لقد عابوا على الرئيس نبيه بري التمسك بوزارة المالية، فاذا بهم يحولون وزاراتهم كلها الى وزارة مالية، بمعنى ان كل طرف يريد ان يحتفظ بالوزارات التي يشغلها، بعيداً عن قرار المداورة الذي بقي حبراً على ورق. لا يجوز ان تبقى وزارة ما، اي وزارة، في يد طرف واحد، بل يجب ان تنتقل من شخص الى اخر. فاذا كان الطرف الذي امسك بهذه الوزارة او تلك، قد فشل في تنفيذ مشروعه، فليترك المجال لغيره عله يستطيع ان يحقق ما فشل هو في تحقيقه. فالتشبث بالمواقف لا يخدم الوزارة ولا المصلحة العامة. وان كان قد نجح في ادارة هذه الوزارة فلينتقل الى غيرها لتحقيق نجاح فيها.
فوزارة الطاقة مثلاً هي مع فريق من لون واحد منذ العام 1990 تاريخ انتهاء الحرب اللبنانية. وقد فشل الوزراء الذين تعاقبوا عليها في حل ازمة الكهرباء، ولا يزال المواطن يعاني من هذه المشكلة، لا بل انها تحتل الاولوية في قائمة همومه الكثيرة. اليس من المنطق ان تنتقل الى طرف اخر عله ينجح في حل هذه الازمة التي اصبحت مستعصية؟
لقد تحدثوا كثيراً عن المداورة فلماذا لا يطبقونها ولو لمرة واحدة ليختبروا فوائدها؟ لو التزموا بكلامهم لما كانت هناك مشكلة في توزيع الحقائب ولا عرقلة في تشكيل الحكومة. ولكن عند السياسيين ما يقال في العلن ينُقض في الخفاء، ولا من يهتم ولا من يحاسب. فالشعب المفروض فيه ان يحاسب غارق في سبات عميق لا يعلم احد متى يستفيق، فيقلب الطاولة فوق الجميع. ولكن لا بوادر قريبة لهذه الصحوة، وهذا ما يطمئن السياسيين ويدفعهم الى مراعاة مصالحهم بعيداً عن مصلحة البلد. فالعمل لا يمكن ان ينجح الا اذا كان منفذه خاضعاً للمحاسبة. فمن اين لنا بمحاسبين والشعب هكذا؟

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق