افتتاحية

هل بعد كل ذلك تسألون؟

الجهود التي يفترض ان تبذل لتشكيل حكومة جديدة، تتولى رعاية شؤون الناس، وتسيّر امور البلد هي الان في اجازة او في الحقيقة معطلة بسبب خلافات تصاعدت في الاونة الاخيرة الى درجة غير مسبوقة. وصل التراشق السياسي الى الخط الاحمر وبلغ درجة من الخطورة تهدد السلم الاهلي، بعدما انقلب الى خلافات طائفية. فهل يستحق منصب وزاري اياً تكن اهميته دفع البلاد نحو التدهور الخطير؟
المجتمع الدولي يهتم بالمصلحة اللبنانية اكثر من السياسيين اللبنانيين، وقد نقل بعض الدبلوماسيين رسائل الى المسؤولين حول اهمية ملاقاة المجتمع الدولي الذي تعهد بالتزاماته المالية والاقتصادية في مؤتمر «سيدر» واحد، ومؤتمرات اخرى عقدت في ايطاليا من اجل دعم الجيش اللبناني، وبروكسل وغير ذلك. وعلى رغم تطمينات رئيس الجمهورية بان الليرة صامدة ولبنان ليس مفلساً، الا ان ذلك لا يعني اننا بافضل حال اقتصادياً. فالجمود مسيطر ويتطلب تشكيل حكومة تضع خطة اقتصادية تباشر فوراً بتنفيذها، لدفع الحياة العامة الى الامام. ونظراً لسفر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى نيويورك لالقاء كلمة لبنان امام الجمعية العامة للامم المتحدة، فانه من غير المتوقع ان يتم اي جديد على صعيد تشكيل الحكومة، قبل نهاية الشهر الحالي، على امل ان تنفرج الامور في شهر تشرين الاول المقبل، وتحصل «المعجزة» التي ينتظرها اللبنانيون، ولا نعلم في الحقيقة ان كانوا فعلاً ينتظرون تشكيل حكومة. لقد اعتادوا على ان الحكومات لا تحمل اليهم ما يطمئنهم الى غدهم، بل على العكس انها تستنزف اخر قرش في جيوبهم دون ان تقدم لهم شيئاً في المقابل.
وسط هذا الجو العاصف عاد البعض الى اقتراح تشكيل حكومة حيادية تتولى تدبير شؤون البلاد. فلماذا لا يعتمد هذا الحل طالما ان الافق السياسي مقفل بوجه حكومة وحدة وطنية، باتت ولادتها صعبة جداً بعدما تمدد الخلاف الى اطراف جديدة. فعن اي وحدة حكومية يتكلمون، وهم غارقون في الخلافات الى اقصى الحدود؟ المواطنون امام استحقاقات داهمة لعل ابرزها ازمة المدارس الخاصة التي بدأت تطل بصورتها المخيفة، فاين هي الحكومة التي يجب ان تهتم بهم؟ الامور عالقة والمدارس متفلتة من كل الرقابات، وهي تفرض الاقساط والرسوم والنفقات التي تبتدعها وبارقام مذهلة، فتحمّل اهالي الطلاب عبئاً يوازي عبء الاقساط. فاين الرقابة، واين الدولة، واين لجان الاهل التي بات وجودها كغيابها، اذ انها لم تعمل يوماً على حماية الاهالي من ظلم المدارس التي يفترض فيها ان تقدم موازنات شفافة تدقق فيها لجان اهل قبل توقيعها. هل هناك جهة او جهات اشرفت على هذه الموازنات؟ والغريب ان صمت لجان الاهالي في بعض الاحيان اصبح مريباً. فمن يحاول ضرب التعليم الخاص في لبنان؟
ومعاناة الاهل والطلاب ليست ناجمة عن المدارس وحدها، بل هناك الاساتذة الذين لا يرون امامهم سوى الطلاب فيعاقبونهم، بتضييع معظم السنة عليهم، بسبب الاضرابات التي تكاد لا تتوقف. فمن يحصل حقوق هؤلاء، مع العلم انهم يدفعون ما عليهم كاملاً، فلماذا معاقبتهم؟ هل يجب على الاهل والطلاب، بعد كل هذه المدفوعات الخيالية التي يتكبدونها ان يتحملوا العقاب الذي تفرضه المدارس والاساتذة كل من جهته؟ وهل ان فشة الخلق سببها ان الطلاب هم الجهة الاضعف، فيعمدون الى المتاجرة بمستقبل جيل كامل يكاد يخسر كل شيء، ذلك ان مستوى التعليم بسبب هذه الاضرابات بدأ يتدنى. ما هو موقف الدولة من الوضع التربوي؟
السنة الدراسية على الابواب او انها بدأت فعلاً، ومعها برزت ازمة الاقساط الناجمة عن قانون سلسلة الرتب والرواتب، وهي اخذة في التفاقم. وهناك قسم من الاهالي لم يسددوا الاقساط المترتبة على اولادهم، فمنعتهم ادارات المدارس من الدخول الى الصفوف. وفي ظل غياب المعالجة الرسمية تصر المدارس على زيادة الاقساط وفق الجدول 17 من قانون السلسلة الذي لا يشمل الدرجات الست، وهي تطالب الدولة بتمويلها. الاهالي طبعاً يرفضون الزيادات بحيث لم تعد لهم قدرة على ذلك وهم يطالبون بالعودة الى القانون الذي ينظم الموازنات. كذلك يطالب المعلمون بتطبيق القانون 46 كاملاً مع الدرجات ويهددون بالقضاء اذا لم تسير معاملات صندوق التقاعد والتعويضات. وقد بات موقف المعلمين ضعيفاً، بعدما صرفت ادارات بعض المدارس اكثر من 400 معلم بحجة عبء النفقات والاجور والزيادات التي طرأت.
وهكذا وبدل ان تستغل الحكومة عطلة الصيف وتعمل على حل الازمة نامت عليها، حتى اطلت بقوة مع بداية السنة الدراسية فالى من يلجأ طلابنا؟ ومن هي الجهة القادرة على ضبط الاقساط وتحديدها بعدل فينال كل صاحب حق حقه؟ ان الاجوبة على هذه الاسئلة صعبة جداً بغياب حكومة ترعى مصالح الناس، لا حكومة لا يهمها الا رعاية مصالحها الخاصة. لقد بات اللبنانيون يفضلون الفراغ الحكومي بعد كل ما يقاسونه من ظلم الحكومات المتعاقبة. لقد ورد في احدى الصحف ان لبنان هو الثامن في لائحة ادنى درجات النزاهة الحكومية. فهل بعد ذلك تسألون؟

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق