افتتاحية

هذا ما قدمته الحكومة للمواطن… وهذا ما اخذته منه!

في نهاية كل عام تضع الشركات ميزانيات لتتبين من خلالها سير اعمالها وان كانت قد حققت الربح ام اصيبت بالخسارة. وهذا امر طبيعي في علم الاقتصاد. المواطن اللبناني الذي يسمع يومياً، وعلى لسان عدد من الوزراء، بان الحكومة انجزت الكثير خلال العام 2017. وبدافع من الفضول اراد هو ايضاً ان يضع موازنة للعام الذي ذاق خلاله الامرين، بسبب الركود الاقتصادي، وغياب فرص العمل، وازدياد ارقام الهجرة. وانطلاقاً من هذه الفكرة بدأ بتعداد ما تسميه الحكومة انجازات، وما قدمته له، وما قدم هو لها واخذت منه.
فالحكومة اولاً انجزت الموازنة بعد غياب اكثر من اثنتي عشرة سنة، ولكن المواطن تذكر بان هذه الموازنة ليست صحيحة مئة بالمئة وفقاً للقانون، وهي قابلة للطعن، لانها اقرت بلا قطع حساب. ولكن ما الهم طالما ان السياسيين يفصلون القوانين وفق مصالحهم واهوائّهم، ويفسرونها كما تقتضي ظروفهم. ومع ذلك قبل بان يسمي ذلك انجازاً.
الانجاز الثاني هو قانون انتخابات اقر بعد سنوات طويلة من الجدل، ولكنه لم يأت على قدر ما يرغب به المواطن. صحيح انه اعتمد النسبية لاول مرة وهذا مبدأ يمكن ان ينصف الكثيرين، ولكنها نسبية مشوهة حرمت المواطن من حق الاختيار. فهو مثلاً غير قادر على شطب اسم لا يريده. وهذا البند هو لعبة سياسية مكشوفة جاءت لتخدم الطبقة السياسية الحالية المتواجدة هي اياها على الساحة. وهذه النقطة وضعت لتأمين عودة المتربعين سعيداً تحت قبة البرلمان. فهم يعرفون ان المواطن لا يريدهم ويعمل على ابعادهم، فقيدوه بمنعه من التشطيب. فكل سياسي يريد ان يدخل في لائحة تضم اصحاب الكفاءة يرغب المواطن في التصويت لها، ولكنه بالمقابل يكون مرغماً على تأييد الاسم الوارد في اللائحة، والذي لا يريد ان يعود. وهكذا يضمن عدد كبير من الطبقة الحالية عودتهم الى مقاعد النيابة. ثم ان هذا القانون هو موضع خلاف بين واضعيه وقد تصاعدت خلافاتهم الى درجة هددت الحكومة بالانفراط، فاختلفوا داخل اللجنة المولجة قانون الانتخاب واختلفوا داخل الحكومة، وكادت الامور تتطور الى ما لا تحمد عقباه، لولا تدخل الرئيس الحريري الذي سحب مشروع تعديل قانون الانتخاب لجهة التمديد للمغتربين بتسجيل اسمائهم.
وبمناسبة الحديث عن الخلافات، قالت مصادر صحافية ان هناك انزعاجاً غربياً حيال الاداء السياسي، وعدم اغتنام الفرص المعطاة للبنان دولياً، وهدرها في خلافاتهم. ومعروف ان الدول الكبرى تشدد على ضرورة اجراء الانتخابات في موعدها، ولذلك فهي منزعجة من الخلافات حول قانون الانتخاب.
الانجاز الثالث هو التعيينات. والكل يعلم انها اجريت على اساس المحاصصة، وتسببت بخلافات سياسية، حتى بين الحلفاء. واي تعيينات في اي قطاع من قطاعات الدولة لا تتم على اساس الكفاءة لا يمكن ان تكون مثمرة. وبالتالي فان هذه التعيينات تخدم السياسيين اولاً.
الانجاز الرابع هو سلسلة الرتب والرواتب وقد تحدثنا كثيراً في هذه الزاوية عن مساوئها، فلن نعود الى التكرار، ولكننا نلفت الى ان مفاعيلها وتداعياتها لا تزال تربك الدولة كلها.
الانجاز الخامس هو تحرير الجرود وهذا هو الانجاز الوحيد الصحيح والذي رحب به اللبنانيون على مختلف مشاربهم ولكن السياسيين شوهوه ولم يدعوا الجيش يقطف ثمرة هذا الانجاز، غير ان الجيش هو اكبر بكثير من الالاعيب السياسية المكشوفة.
اما ما قدمه المواطن للحكومة فكثير وكثير جداً. نبدأ اولاً بلائحة الضرائب التي فاقت المعقول وارهقت المواطن الى حد محاربته بلقمة عيشه، وحصدت الحكومة من خلالها اضعاف ما قالت انها بحاجة اليه. ثم جاءت تمنن المواطن بلسان رئيسها بان الموازنة الجديدة للعام 2018 لن تتضمن ضرائب جديدة. وقد سها عن بال الحكومة انه لم يبق قطاع واحد لم تلحقه الضرائب. بلى، هناك الهواء الذي لم يخضع للضريبة بعد ولكن ليس كرماً من الحكومة، بل لان الهواء ملوث بفعل النفايات التي عجزوا عن جمعها ومعالجتها بطريقة علمية، والسبب يعرفه اللبنانيون وهو خلافاتهم. على ماذا؟… نترك للمواطن ان يقول لماذا يختلفون. وهكذا اذا اتفقوا يوماً وحلوا قضية النفايات فسيفرضون ضريبة على الهواء الذي نتنشقه.
فرضوا على المواطن تبديل جوازات السفر فخسر المواطنون الملايين بسبب السنوات التي ضاعت عليهم، وفرضوا تبديل ارقام السيارات ولزموها لشركة واحدة فكلف المواطن مبالغ جديدة. اما الهدف فمتروك للمواطن ان يعرفه. فرضوا تبديل الهويات وفي ذلك متاعب ينوء المواطن تحتها. فرضوا تبديل دفاتر السيارات ودفاتر السوق وما تفرض عليه من رسوم ومدفوعات. غيروا  مواعيد جدول الميكانيك فاذا بالمواطن الذي دفع في اخر السنة مضطر بعد اشهر لا تتعدى الخمسة او الستة اشهر ان يدفع مرة ثانية لماذا؟ لانهم بحاجة الى السيولة. من اجل ماذا؟ لا نعلم احذروا. وبذلك تكون وزارة الداخلية وحدها قد امتصت نصف المعاش هذا اذا كان هناك معاش.
فرضوا على المواطن بسبب قراراتهم العشوائية زيادات على الاقساط المدرسية لا تقل عن مليون ليرة على كل طالب، ولم تنتظر المدارس البحث بالحلول، بل بدأت باستيفاء الزيادات حتى قبل الوصول الى اتفاق. والا يصبح الطلاب في الشارع. زادوا الضريبة المضافة TVA فلم توفر قطاعاً الا ورفعت الاسعار فيه. قالوا انها واحد بالمئة ولكن بعملية حسابية يتبين انها لا تقل عن 5 بالمئة.
وفي نهاية هذه الميزانية ادرك المواطن هول ما فعلت به حكومته التي لم تترك ليرة واحدة في جيبه، فتمنى لو انه كان من سكان بلد اخر تهتم حكومته بمصالح شعبها لا بمصالح سياسييها. ولكن ما الحيلة الى ذلك وهو يحمل الهوية اللبنانية وهي على كل حال موضع فخر واعتزاز مهما حاول السياسيون تشويهها. ننصح بان يعيدوا النظر في كل هذه الضرائب المفروضة على الشعب قبل خروج المارد من القمقم والذي لا بد ان يخرج يوماً.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق