افتتاحية

نحن في زمن السمك الكبير يأكل الصغير

زلزال كبير ضرب المنطقة منذ ايام نتج عن قرار اتخذه الرئيس الاميركي دونالد ترامب، اعترف فيه بالقدس عاصمة لاسرائيل، مخالفاً كل القرارات الدولية بهذا الشأن، ومعاكساً لسياسة اتبعتها الولايات المتحدة تقوم على تأجيل البت بهذا الموضوع بانتظار التسوية النهائية التي هي وحدها مخولة بتحديد مصير القدس. لقد تجاهل ترامب انه من المستحيل تهويد القدس، لانها المدينة المقدسة للمسيحيين والمسلمين على حد سواء، ويجب ان تكون مدينة مفتوحة لكل الناس ولكل الطوائف. ففيها كنيسة القيامة وهي رمز كبير للمسيحيين وفيها المسجد الاقصى وهو من المقدسات الاسلامية الكبرى، فكيف يجوز للرئيس الاميركي وبشحطة قلم ان يلغي كل هذه الوقائع؟
انتظر العالم عموماً والفلسطينيون بصورة خاصة ان يعمل ترامب من اجل السلام في المنطقة، فينهي ازمة استمرت عقوداً، بفعل التعنت الاسرائيلي الرافض للسلام، ولكنه تحدى العالم كله واطلق الرصاصة الاخيرة على كل الجهود التي بذلت منذ النكبة حتى اليوم، فضاع اخر امل بحل يقوم على اساس الدولتين وهو مبدأ وضعته الولايات المتحدة عينها، ولكن المبادىء والقيم لم يعد لها مكان في هذا العالم القائم على شريعة الغاب، القوي فيه يأكل الضعيف.
قرار ترامب بخصوص القدس لا يقل سوءاً عن وعد بلفور، الذي كان اصل النكبة. فليجهد الفلسطينيون لمنع نتانياهو من تحقيق احلامه، مستغلاً انحياز ترامب للصهيونية، افيوحدوا صفوفهم وينهوا انقساماتهم ويتضامنوا في مواجهة المؤامرة التي انفردت اسرائيل في الترحيب بها. اما ترامب فقد وجد نفسه في عزلة تامة، فراح يسعى لتخفيف ما فعلت يداه، واعداً بانه يعد خطة للسلام ترضي الفلسطينيين. ولكن هل لا يزال في العالم من يصدق هذه الوعود؟
سبعون سنة مضت والفلسطينيون مشردون خارج ارضهم ماذا فعل العالم لهم؟ لو اراد الاميركيون والروس ان يحلوا الازمة، هل كانت لا تزال قائمة حتى اليوم؟ الدول الكبرى صاحبة الحل والربط تبيع الفلسطينيين كلاماً لا يغني ولا يثمن، اما الفعل فغائب تماماً، لا بل ان هذه الدول تدعم اسرائيل وتقدم لها كل ما تحتاج اليه، فتشجعها على المضي في سياستها العدوانية. ما هو مصير القرارات الدولية التي تدين اسرائيل، وهي بالعشرات، هل طبق قرار واحد منها؟ فلماذا لا تتحرك الدول الكبرى وترغمها على احترام المواثيق الدولية؟ لقد ضمت الدولة العبرية القدس منذ العام 1967، ورفض العالم كله ذلك. فهل استطاع ان يغير نقطة واحدة في القرار. وليس ذلك عن عجز لانهم لو ارادوا لفعلوا، ولكن المؤامرة هي الغالبة. وعندما خالفت اسرائيل القرارات الدولية ولم تر من يقف بوجهها لردعها، تمادت في مخالفاتها.
لقد صوتت الدول الكبرى على اعتبار المستوطنات غير شرعية فهل توقف بناء المستوطنات؟ على العكس لقد توسع البناء فيها حتى تجاوز الحدود كلها، فهل رأينا قوة واحدة تتحرك وتقول كفى؟ محادثات السلام توقفت منذ العام 1914 بسبب المستوطنات، لان اسرائيل رفضت وقف البناء. فلماذا لم تتحرك الولايات المتحدة ولماذا سكتت روسيا، وكذلك اوروبا كلها. هل قدمت كل هذه القوى الدولية سوى الكلام للقضية الفلسطينية؟ بينما حولت هذه القوى اياها الدولة العبرية الى ترسانة اسلحة، وامنت لها التفوق العسكري، فزادها ذلك غطرسة وامعاناً في خرق القرارات الدولية.
والمثير في الامر والذي يحرك مشاعر الغضب، هو انه في اليوم ذاته الذي وقع ترامب على قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، صوت مجلس النواب الاميركي على وقف المساعدات عن الفلسطينيين، وكأنهم بذلك يريدون اثارة الفلسطينيين ودفعهم الى استخدام العنف ضد عالم اضاع القيم والاخلاق ولم يعد يفهم الا لغة العنف.
لقد حمت الفيتوات الاميركية اسرائيل على مر السنين فكانت بذلك تشجعها على العدوان وضرب القوانين الدولية عرض الحائط. حتى القرارات التي نجت من الفيتو، ليس لها من ينفذها. يا له من زمن السمك الكبير فيه يأكل الصغير. فلينتفض الشعيب الفلسطيني لاسترجاع حقه بيدية، وبذل دمه في سبيل وطن سليب، لان العالم سيبقى متغافلاً ليس سبعين سنة بل سبعماية سنة، والعمل الجدي هو السلاح الوحيد. فقرار ترامب اصغر واعجز من ان يغير وضع القدس ويزيل معالمها.

«الاسبوع العربي»

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق