افتتاحية

الى متى تستمر سياسة النعامة؟

انتهى الاحتفال بعيد الفطر السعيد (اعاده الله على اللبنانيين بالخير واليمن والبركات)، واستمرت عطلة السياسيين اياماً بعده. فكأن البلد بخير وكل قضاياه الاجتماعية والمعيشية والاقتصادية طبيعية. مع ان حكومة امامها هذا الكم من الملفات الاستثنائية، لا يحق لها بالعطلة، وكان عليها ان تعمل ليلاً نهاراً من اجل الوصول الى شاطىء الامان. ولكن ما العمل اذا كان السياسيون في لبنان استثنائيين، وغير مستعجلين والصورة الواضحة عنهم تتمثل بالمجلس النيابي الذي مدد لنفسه مرتين، واستجدى التمديد الثالث بذرائع وحجج واهية، لم يقبضها المواطنون.
تغنوا بانجاز قانون للانتخاب، فعن اي قانون يتكلمون؟ لقد بدأ التصويب عليه منذ اللحظة الاولى التي ابصر فيها النور، وقد ولد بعملية قيصرية لم يكن احد يرغب في ولادته. حتى ان واضعيه انفسهم صوبوا سهامهم اليه، ووصفوه بانه قانون فيه الكثير من الثغرات وهو بحاجة الى تعديل، وهم يدركون تماماً ان لا مجال للتعديل. لقد امضوا تسع سنوات حتى وصلوا الى ما هو عليه، ولكي يتمكنوا من الاتفاق على التعديلات يلزمهم تسع سنوات اخرى. لذلك طوي الملف حالياً.
المشككون بقانون الانتخاب كثر، وهم يقولون انه وضع فقط من اجل التمديد الثالث للمجلس النيابي، ولو كان الامر خلاف ذلك لما احتاجوا الى سنة كاملة يمدون بها عمر هذا المجلس الذي يرفضه كل الناس، نظراً لقلة انتاجه قياساً الى المجالس السابقة، حتى ان البعض يقولون ان الانتخابات لن تجرى في السادس من ايار (مايو) المقبل.، وان مهندسي المخارج السياسيين سيجدون العلل والاسباب الكافية التي تمنع اجراء الانتخابات في ذلك التاريخ. قد يكون هذا الكلام صحيحاً وقد عودونا على مثل هذه النتائج فهل تصح التكهنات والشائعات؟
الانجاز الثاني الذي يتغنون به هو الموازنة العامة، والتي لم تقر بعد، ولكنهم يعللون بالنفس باقرارها. فعن اي انجاز يتكلمون؟ ان وضع موازنة الدولة سنوياً امر من البديهيات، ويقع ضمن مسؤوليات الحكومة، فلماذا حولوه الى انجاز؟ لقد حالت خلافاتهم على مدى سنوات طويلة، وتبادل الاتهامات بالفساد في ما بينهم، الى منع صدور الموازنة على مدى اثنتي عشرة سنة، ولما لاح في الافق انهم قادرون على اصدارها بدأوا بالتبجح، حتى وان لم تبصر النور بعد، ولا نعلم حتى الساعة ان كانت ستسلك المسار الطبيعي ويتم الاعلان عنها، ذلك انهم لغموها بسلسلة ضرائب، نجح الحراك الشعبي في منع اقرارها وسحبها من التداول، ولكنها عادت تدق جيوب المواطنين، بعد الكلام عن ضرورة اقرار سلسلة الرتب والرواتب، التي تحولت الى قميص عثمان ومادة للتراشق، على كل شفة ولسان. لماذا؟ لان عقول السياسيين لا تفرز لاستنباط الطرق والوسائل السليمة لتأمين الموارد، سوى اللجوء الى جيوب المواطنين، فهي اسهل السبل، مع انهم لو حاربوا الفساد وضبطوا الاوضاع داخل الوزارات، لمولوا مئة سلسلة دون ان يحتاجوا الى المس بجيوب المواطنين الفارغة. ان مثل هذه الملفات تحتاج الى عقول قادرة على الاستنباط، فمن اين نأتي بها؟
ولكن هل ان الشعب الذي ثار ضد الضرائب قبل مدة، سيسمح باستغلاله وفرض اعباء عليه، لم يعد له قدرة على تحملها؟ بالطبع لا، وسيواجه الضرائب الجديدة في حال اقرارها بتصعيد قد يعجز المسؤولون عن استيعابه وتجاوزه، وعندها ربما يفكرون بوسائل جديدة تؤمن لهم البدائل الاضافية لتمويل السلسلة. اذ ما الفائدة من ان يعطوا الموظف بيد ليشلحوه ما اعطوه اياه باليد الاخرى؟ وهل يقبل المطالبون بالسلسلة بهذه الحلول التي تتم على حسابهم؟
الملفات الضاغطة كثيرة وتتطلب العمل المتواصل حتى بلوغ الهدف، وفي طليعتها الكهرباء والمياه والنفايات والطرقات وازمة السير والخطب السياسية التي تهدد موسم الصيف الواعد، وغيرها وغيرها، وسنعود الى الحديث عنها في اعداد لاحقة، فعسى ان نتمكن من القاء الضوء على هذه السياسة الخرقاء، وايقاظ المواطنين والمسؤولين معاً على الحقيقة التي يدفنون رأسهم بالرمال كالنعامة كي لا يروها.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق