افتتاحية

لو ارادت اميركا وروسيا…

الولايات المتحدة وروسيا القوتان العظميان تتلاعبان بمصير الشعوب الصغيرة، وتسخرانها خدمة لمصالحهما. فهما تدعيان في الظاهر انهما مختلفتان، ولكنهما في الحقيقة متفقتان على اقتسام العالم. تحاول كل واحدة منهما ان تجمع حولها ما تستطيع من الدول المغلوبة على امرها، ولكنهما لا تتجاوز اي منهما خطوط الاخرى. هذا يجري تحت انظار العالم، ولكن ما في اليد حيلة، فتنقاد الشعوب المستضعفة كالاغنام طائعة ملبية ما طلب منها. وكثيراً ما تتحول هذه الشعوب الى وقود يخدم مصالح الكبار في طليعتهم الولايات المتحدة وروسيا.
كيف يمكننا ان نصدق مثلاً ان الولايات المتحدة وروسيا على خلاف كما تدعيان، ونحن نعلم ان الرئيس الروسي قرصن 23 ولاية اميركية، خلال الانتخابات الرئاسية، دعماً للمرشح انذاك دونالد ترامب، ومنعاً لوصول مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون؟ وكيف يمكن ان نصدق، وقد بذل الرئيس الاميركي ما بوسعه، لمنع وصول التحقيق في التدخل الروسي في الانتخابات الى مبتغاه وكشف الحقيقة. وقد اطاح عدداً من الرؤوس اما بالاقالة واما بالاستقالة. دفاعاً عن شريكه بوتين. ان خلافهما لا يتعدى تقاسم مناطق السيطرة والنفوذ.
من خلال تصريحات علنية تناقلتها وسائل الاعلام الاميركية، سنحاول ان نحلل ونثبت، بما لا يقبل الشك ان العدوين اللدودين هما حليفان في العمق، من خلال مواقف متناقضة والتظاهر بالخلاف هو من قبيل ذر الرماد في العيون. لقد وجهت روسيا تحذيراً للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، من تحليق طائراته فوق منطقة غرب الفرات السورية، بعدما اسقطت الولايات المتحدة مقاتلة سورية، كانت تقصف مواقع لوحدات حماية الشعب الكردي، وقالت انها ستعتبر اي تحليق اميركي في سوريا اهدافاً. ولكنها لم تعلن ما اذا كانت ستطلق النار على هذه الاهداف. ثم اعلنت وزارة الدفاع الروسية تعليق قناة الاتصال التي اقامتها مع البنتاغون، لمنع حدوث صدام جوي، وقامت قيامة موسكو لان واشنطن لم تبلغها على حد قولها، بانها ستسقط الطائرة السورية. وقال الجيش الروسي ان طائراته كانت تقوم بمهمات في المجال الجوي السوري، لكن قوات التحالف لم تستخدم قنوات الاتصال القائمة. وسريعاً اعلن ان مسؤولين عسكريين اميركيين وروساً استأنفوا الاتصال لاعادة العمل بالاتفاق. فهل صحيح ان هناك خلافاً بين الاثنتين؟ انه خلاف على الحصص وحمايتها، ولكنه في الواقع رسم لخريطة اقتسام العالم.
يقول الروس ان الوجود الاميركي على الاراضي السورية غرب الفرات هو وجود غير شرعي، ومخالف للقوانين الدولية، وهي في هذا على حق. ولكن من قال ان وجود الجيش الروسي وقواعده العسكرية على الاراضي السورية هو وجود شرعي؟ قد يتذرع الروس أنهم متواجدون في سوريا بطلب من الحكومة السورية. ولكن هل ان الحكومة السورية لا تزال الممثل الشرعي الوحيد في البلاد. فالشعب السوري منقسم الى فئتين تتقاتلان على الارض،، ويبقى ان ننتظر نتائج هذه الحرب المدمرة، حتى نقرر من هو الشرعي ومن هو غير الشرعي. لذلك فان الوجود الروسي على الارض السورية، والذي يعارضه نصف الشعب السوري، هو وجود غير شرعي، الا اذا حظي بموافقة الفئتين المتقاتلتين، فهل هذا حاصل؟
اذاً ان الوجود الروسي هو مثل الوجود الاميركي غير شرعي، وعليهما مغادرة الاراضي السورية والا اعتبر وجودهما احتلالاً، خصوصاً وان جامعة الدول العربية لم تعد تعترف بشرعية النظام، وقد ابعدت سوريا عن الجامعة، الى ان يثبت الشعب السوري شرعية احد الطرفين المتنازعين.
تقول روسيا انها دخلت في الحرب السورية لمقاتلة تنظيم الدولة الاسلامية، ولكن ثبت من الوقائع على الارض ان الجيش الروسي لم يحارب داعش الا بنسبة 5 بالمئة، فيما انصبت نشاطاته العسكرية ضد الميليشيات المعارضة للنظام. وهو الذي مكن الجيش السوري من استرجاع مناطق عديدة ليس اقلها مدينة حلب، وطرد المعارضين منها. ولكن هذا لم يمنحه اي شرعية، وبدا اكثر فاكثر انه دولة محتلة، وهو على كل حال لا ينكر ذلك من خلال تصرفاته، اذ يبدو وكأنه صاحب الارض، يقرر وينفذ بعيداً عن الرأي السوري، والكلمة الاخيرة له، وبذلك يثبت في نظر المعارضين انه قوة احتلال. وانه فريق في القتال. كل ذلك والولايات المتحدة تتفرج، دون ان تحرك ساكناً لوضع حد لهذا الوضع الشاذ. الا يعني ذلك انهما على اتفاق لمواصلة الحرب؟
وزير الدفاع الروسي يقول ان على الولايات المتحدة احترام وحدة الاراضي السورية، والكف عن الاعمال الاحادية في البلاد. وهذا كلام صحيح ولكن هل ان روسيا احترمت وحدة الشعب السوري عندما دخلت طرفاً في النزاع؟ وهل احترمت وحدة الاراضي الاوكرانية عندما سلخت القرم وضمته الى اراضيها، ودعمت الانفصاليين وحرضتهم على اقتطاع جزء من اوكرانيا؟ لماذا لا تحترم نفسها، فتفعل ما تنهي عنه الاخرين؟
ان هذا الوضع المأساوي في سوريا يحتم على الاميركيين والروس الخروج من سوريا، لانهما لا تريدان الخير للشعب السوري، بل تحقيق مصالحهما. وعليهما الجلوس معاً على طاولة حوار، فلا تخرجان منه الا وقد ارستا حلاً عادلاً ومنصفاً لجميع شرائح الشعب السوري، وتأمين الظروف الملائمة له، ليتمكن من رسم مستقبل بلاده، ويبدأ مرحلة الاعمار وهي مرحلة طويلة ومعقدة وصعبة وتتطلب الكثير. غير ان لا الولايات المتحدة ولا روسيا تريدان وقف الحرب السورية، لان وقودها المنظمات المتشددة التي تهدد واشنطن وموسكو على حد سواء. فلماذا توقفان القتال؟ وما همهما ان كانت هذه الحرب المدمرة تتم على حساب الشعب السوري. فالشعوب الصغيرة عند الكبار لا اهمية لها، الا بمقدار ما يخدم وجودها سياساتهم واحلامهم. انه زمن شريعة الغاب، الكبار يأكلون الصغار، ولا من حسيب او رقيب. لو ارادت اميركا وروسيا وقف الحرب في سوريا لكانتا انهتاها في الشهور الاولى لاندلاعها، ولكنهما تستطيبان رائحة البارود والنار، ولذلك فان الامل بالسلام مفقود على ايديهما.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق