افتتاحية

سؤال الى الرئيس فلاديمير بوتين: هل اطفال سوريا ونساؤها هم الارهابيون؟

الحرب السورية الدائرة منذ حوالي خمس سنوات، وخصوصاً في حلب، تحتل صدارة الاحداث، وتستقطب انظار العالم، نظراً للقصف الجوي الروسي العنيف على الاحياء السكنية والاسواق الشعبية والمستشفيات والمدارس ودور العبادة، والذي لا يوفر لا البشر ولا الحجر، حتى وصفه زعماء العالم بالقصف الهمجي والوحشي، وطالبوا باعتباره جرائم حرب يجب ان يعاقب القائمون بها بعد محاكمتهم امام المحكمة الجنائية الدولية.
ويتصرف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكأنه سيد العالم بلا منازع. فهو يتحدى الولايات المتحدة واوروبا كلها، غير عابىء بما يوجه اليه من لوم وتعنيف، متسلحاً اولاً بأنه يتصرف في سوريا بناء على طلب النظام، وقد سها عن باله ان النظام خسر اكثر من نصف اراضيه وشرد اكثر من نصف السكان، وبالتالي لم يعد قادراً على التكلم باسم سوريا كلها. فبأي حق يقود الروس هذه الحرب المدمرة ضد شعب، لم يعتد يوماً لا على موسكو ولا على حكامها. وثانياً هو متسلح بالفيتو الذي منحته الدول الكبرى لنفسها، وكذلك بدون وجه حق، اذ ان الدول يجب ان تتساوى كلها امام القانون، فمن اعطاها هذه الامتيازات لتتعالى بها على غيرها، وتتحكم بمصير الشعوب المغلوبة على امرها، ولم يجف بعد حبر الفيتو الاخير الذي استخدمه الروس ضد مشروع قرار فرنسي، طلب وقف القصف الجوي على المدنيين.
امام هذا الواقع يتساءل الكثيرون عن مصدر القوة التي يمارسها بوتين، وتجعله يتصرف وكأنه زعيم العالم؟ الجواب بسيط وهو التخاذل الاميركي وانسحاب الولايات المتحدة من الشرق الاوسط فعلياً، وهي سياسة دأب عليها الرئيس الاميركي باراك اوباما طوال ثماني سنوات، مدة ولايتيه في البيت الابيض. فغادر العراق ورفض التدخل في سوريا واعطى ايران ما كانت تحلم ان تحصل عليه، وانكفأ داخل الحدود الاميركية، فخسرت بلاده المركز الاول الذي كانت تتمتع به على مدى عقود، تاركة المجال امام روسيا لتتصرف على هواها.
ويبدو بوتين في سياسته وكأنه يعد لحرب ضد العالم كله، فاحتل القرم واشعل الفتنة في اوكرانيا، وتحول الى الشرق الاوسط يريد معسكرته، فاكمل منذ ايام تزويد ايران بمنظومة الصواريخ اس اس 300 و400، كما دعم قواته في سوريا فزاد من عدد الصواريخ المنشورة فيها، وارسل بارجتين جديدتين انضمتا الى رفيقاتهما في البحر المتوسط، بحيث بدأ العالم يتساءل عن حقيقة نواياه، وعن سبب هذه العنجهية، وهذه اللامبالاة حيال نفوس بريئة تسقط بين الانقاض التي يتسبب بها القصف الجوي الروسي، لا بل اعتبر ان الاتهامات التي توجه الى روسيا بارتكاب جرائم حرب، بأنها كلام سياسي لا معنى له. ان كان قصف المدنيين الابرياء والمستشفيات والمدارس ودور العبادة وغيرها ليس جرائم حرب في نظره فكيف تكون الجرائم؟ هل ان اطفال سوريا ونساءها هم الارهابيون الذين يحاربهم بوتين؟ وهو لا يكتفي بذلك بل يصف الانكفاء الاميركي والسعي لوقف القصف بتصعيد الحرب في سوريا.
لو فرضنا ان الولايات المتحدة المنكفئة تتجنى على روسيا، فماذا عن مجلس الامن والامم المتحدة واوروبا كلها وبقية دول العالم، طبعاً باستثناء ايران؟ وماذا يقول عن قصف قافلة المساعدات الذي اثبتت التحقيقات انه قصف جوي؟ فهل ان المعارضة تملك الطائرات؟ لو كانت كذلك لتصدت للطيران الروسي الذي لا يكل ولا يمل من قصف الابرياء.
لقد دخل بوتين الى سوريا بحجة ضرب الارهابيين في جبهة النصرة وتنظيم الدولة الاسلامية، وتبين منذ اللحظة الاولى لدخوله الحرب الى جانب النظام، ان استهدافه للمتطرفين والارهابيين لم يتعد الـ 5 بالمئة، اما قصفه انما استهدف الشعب السوري واطفاله ونساءه. والوقائع على الارض تثبت عدم صحة ادعاءات بوتين الذي امعن في التدمير غير عابىء بما يقوله العالم. المهم الحفاظ على وجوده في سوريا الدولة الوحيدة التي سهلت له الدخول الى المياه الدافئة، وهو حلم طالما راود الزعماء الروس منذ ايام القياصرة.
يقول بوتين انه لا يمكن ان يسمح للارهابيين باستخدام المدنيين دروعاً بشرية فماذا فعل؟ عمد الى قصف المدنيين بحيث لا يعودون يستخدمون دروعاً بشرية. هذا هو مفهوم بوتين فبئس هذا الحل. انه حقاً زمن العجائب والغرائب في غياب قوة عالمية رادعة تقف بوجه هذه القوة الاحادية حالياً في العالم، خصوصاً بعد تعطيل مجلس الامن بالفيتو.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق