افتتاحية

هذه عاداتهم وهذا مستوى عملهم

منذ اكثر من سنة ولبنان غارق في النفايات، انتشرت الحشرات وتكاثرت الميكروبات ولم يخل بيت واحد من مريض او اكثر، وصل كثيرون منهم الى المستشفيات، والبعض الاخر الى الابدية. بعد اخذ ورد، وبعد سمسرات وصفقات، فاحت روائحها حى طغت على رائحة الزبالة، قالوا لنا انهم وجدوا الحل. طبعاً لم يصدقهم اللبنانيون، لانهم اعتادوا على الا يحصلوا على اي شيء ولا حتى على ابسط الحقوق، من هذه الحكومة اللاحكومة. وما هي الا اسابيع حت انفجر الوضع من جديد، وعادت النفايات تتكدس في الشوارع، وخصوصاً في مدن وقرى الاصطياف، فكانت افضل دعاية نقدمها للسياح للمجيء الى لبنان. ويبدو ان بعض السياسيين لم يحصلوا على حصة وفيرة من صفقة الزبالة، فسقطت الخطة.
الرئيس سلام، المغلوب على امره في هذه الغابة من الفاسدين المتنفعين ذوي الجيوب المنفوخة، والارصدة الموزعة على مصارف لبنان والخارج، قال ان الخطة باقية ولا تراجع عنها. وكان الاولى به ان يعالج الوضع ويصحح الامور قبل ان يتمسك بخطة لم تحترم نصوصها. بعض المعنيين بخطة حل مشكلة النفايات اعترفوا بان الخطة لم تنفذ، وبان عشرة بالمئة فقط من اطنان النفايات تم فرزها، اما البقية فتطمر عشوائياً، ناشرة الروائح الكريهة والحشرات والامراض القاتلة وملوثة البحر والشاطىء، فهل هذه ما تريده يا دولة الرئيس؟ وهل ان الهروب من المسؤولية هو الحل؟
«معتّر» لبنان من بين البلدان. لقد ابتلي بحفنة من السياسيين همهم كل القضايا التي تعود عليهم بالمنفعة، بعيداً عن مصالح الناس. من سنة الى سنة، ومن شهر الى شهر تنتقل الملفات وتتكدس، ولا من يجد الحل لها. فالمعالجة غائبة، والمؤسسات معطلة، والحكومة التي بقيت وحدها، ولو على صورة تصريف الاعمال، جاء من يعطلها ويختم على نشاطها بالشمع الاحمر. فريق اعتاد التعطيل فنشر الفراغ في رئاسة الجمهورية وامتد الى باقي المؤسسات وها هو اليوم يقضي على اخر مؤسسة تعمل.
ابطال التعطيل مستمرون في سياستهم، ويا ليتهم يشرحون لنا، نحن الناس البسطاء، الذين لا قدرة لهم على فهم عبقرية المعطلين، ليتهم يشرحون لنا الى اين يريدون الوصول، وما هي الاهداف التي سيحققونها؟ الشعب المعدم الذي يعاني من جهل هذه الطبقة السياسية يئن من الالم. فنحن على ابواب المدارس والجامعات، والاقساط خيالية واسعار الكتب نار تكوي، والجيوب فارغة، والاشغال معطلة، والبطالة تزداد يوماً بعد يوم، فما هو الحل؟ ومن اين سيأتي الترياق؟ هل من هذه الطبقة التي وصفها رئيس مجلس النواب بانها تمارس الدلع السياسي على البلاد والعباد؟
ماذا فعلوا من اجل رفع مستوى المدارس الرسمية التي باتت ملجأ الطبقة الاعظم في البلاد، التي لم تعد قادرة على مقاربة اقساط المدارس الخاصة؟ ماذا فعلوا ليخففوا عن الناس ويرفعوا الظلم عنهم؟ انه التحدي الجديد امام وزير التربية، ونحن نعلم انه يعمل بجدية لتحسين الوضع، ولكن ماذا يستطيع ان يحقق لوحده في هذه المغارة، مغارة علي بابا السياسية التي يفتش اصحابها عن الصفقات والسمسرات، غير مبالين بالناس؟ والمؤسف المبكي انه بعد كل هذه المعاناة، واذا قيض للطلاب ان يتابعوا دراستهم، ان في المدارس الخاصة التي لا يدخلها الا المحظوظون اصحاب الاموال، او في المدارس الرسمية، فانهم في النهاية سيتخرجون وينصرفون الى البطالة، التي تقودهم بدورها الى السفر. اين فرص العمل التي وفروها للشباب؟واين الحوافز التي قدموها لهم لترغيبهم بالبقاء في وطنهم؟ وما زاد الطين بلة هذا الدفق من اللاجئين الذين نافسوا اللبنانيين على لقمة عيشهم، فاقتنصوا الفرص، وحلوا محل اللبنانيين في الاعمال، والدولة غائبة نائمة نوم اهل الكهف، لا تسأل ولا تحاسب ولا تعمل على تصحيح هذا الوضع.
الرئيس نبيه بري هدد باللجوء الى الشارع، في محاولة لتصحيح الاوضاع، ولكن كيف تصحح هذه الاوضاع والطبقة السياسية هي ما هي عليه من فساد قاتل مدمر، وعدد الغرباء في هذا البلد يوازي عدد سكان لبنان. بري حذر من لعبة احراق الوقت، والمراهنة على الخارج، ووقف الدلع السياسي للعبور الى البلد، ولكن هل من يسمع؟ لقد اصبح كل سياسي من هؤلاء يعتقد انه وحده يملك القرار الوطني، او الفيتو على القرار الوطني، فيهدد ويتوعد وينادي بالويل والثبور وعظائم الامور. لذلك فان رسائل بري بلا نتيجة، والسياسيون عميان اصماء لا يدرون ما يحل بالناس على ايديهم، او انهم يدرون ويتجاهلون. فهذه عاداتهم وهذا هو مستوى عملهم، ومن شب على شيء شاب عليه.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق