افتتاحية

لبنان… في عصفورية سياسية

من قال انهم لم يتفقوا بعدما اجتمعوا على مدى ثلاثة ايام في حوار وطني، لم يعلق عليه اللبنانيون اي آمال، لما يعرفونه عن المتحاورين، من عدم تمتعهم بأي حس وطني، وحده اذا توفر يمكن ان ينقذ البلاد؟
بلى لقد خرجوا باتفاق شامل يقضي بدعم الفراغ في المؤسسات، انطلاقاً من رئاسة الجمهورية، الى تغييب قانون عادل للانتخابات، الى الاستمرار في تعطيل المجلس النيابي، وشل عمل مجلس الوزراء، والمحافظة على الحد الادنى من الانتاج، بحيث تكون النتيجة صفراً في معظم الاحيان.
في الاصل وجد الحوار وعلى جدول اعماله بند رئيسي اول، لا يمكن الانتقال الى بحث اي امور غيره، قبل انجازه، الا وهو انتخاب رئيس للبلاد، معه تعود الى المؤسسات حيويتها، ويعود لبنان يحتل مركزه كدولة بين الدول، الا ان هذا البند انتقل وبسرعة، وبسحر ساحر الى الثلاجة، فصرف النظر عنه وانتقل المتحاورون الى بحث امور اخرى، بدءاً من قانون الانتخابات. غير ان هذا البند الذي لا يقل اهمية عن انتخابات رئاسة الجمهورية، تحول هو الاخر الى الثلاجة. ولما لم يعد امام المتحاورين ما يتحدثون عنه، نبشوا ونقبوا في اتفاق الطائف، وهم الذين لا تنقصهم حيل التعطيل، فاخرجوا ملفات، تكدس فوقها الغبار على مدى سنوات، وجعلوها حديث الساعة، على امل ان يلهوا اللبنانيين بها عن المواضيع الاساسية، واشغالهم بمواضيع تحتاج الى سنوات وسنوات من النقاش، هذا اذا كان النقاش جدياً، اما وانه ضمن نقاشاتهم العقيمة فقد لا يبصر النور قبل ربع قرن على اقرب تقدير.
هذه الملفات التي لا تحتل اولولية، لا في الداخل ولا في الخارج، اصبحت هي مواضيع الساعة. حقاً انه زمن العجائب. فلماذا يريدون البحث في انشاء مجلس للشيوخ، هل هم في حاجة الى المزيد من المجالس المعطلة، ليأتوا بواحد يصطف الى جانب اخوانه المجالس التي تجمدت وشلت بفعل خلافاتهم؟ والمؤسف المبكي ان لبنان غارق في ازمة سياسية واقتصادية قاتلة، وحلها في ايدي هذه الطبقة، وهي لا تفكر باستخدام الحل. هل من يصدق؟
كان على المتحاورين ان يفعّلوا مجلس الوزراء، لينصرف الى حل الازمات الاجتماعية الخانقة كالكهرباء والنفايات، ولكنهم لم يفعلوا. ماذا سيقولون للناس؟ لقد هربوا الى الامام وارجأوا الحوار لمدة شهر. وماذا بعد؟ الحوار عادة يجري بين اطراف مختلفة، فتطرح مشاريع الحلول من هنا وهناك، ويعمل الخيرون على تقريب وجهات النظر في ما بينها، ولكن الحوار في لبنان هو حوار طرشان. فكل طرف يتمسك بموقفه، ويحاول الدفاع عنه بعيداً عن المصلحة الوطنية العليا، فاي معنى يبقى للحوار. لقد شهدنا حواراً تلفزيونياً بين نواب من كتل مختلفة، واخذنا فكرة عن طاولة الحوار، وتكونت لدينا قناعة راسخة وهي اصلاً موجودة، بانه يستحيل الخروج باي حلول في هذه العقلية.
لا المناقشات ادت الى نتيجة، ولا السلة التي حكي عنها، تم الاتفاق حولها، ولا الاصلاحات التي طرحت من هنا وهناك كان نصيبها افضل، فاي معنى لهذا الحوار؟ لقد حاولوا ايهام الناس بان النتائج كانت جيدة، وان الامور ستسير الى الاحسن، ولكن كلامهم لم يكن اكثر من ذر رماد في العيون، وان ما قيل ويقال هو لصرف الانظار عن الموضوع الابرز والملح والذي بدونه لا يمكن ان يتحقق شيء، الا وهو انتخاب رئيس للجمهورية. يقول احد الوزراء من الفريق المعطل ان الدستور يعطينا الحق بالتعطيل سنبقى مقاطعين لمجلس النواب. بربكم دلونا على الفقرة في دستوركم هذا التي تعطيكم الحق بشل البلد على مدى اكثر من سنتين ونصف، والحبل على الجرار. هل تعتقدون ان احداً من الناس يصدقكم؟
ثم اي حق تعطونه لانفسكم عندما تتجاهلون، انه بعد اكثر من نصف قرن، لا تزالون عاجزين عن اصدار قانون انتخاب عادل يعيد الحق الى نصابه، وينصف كل فئات وطوائف الشعب اللبناني. تسعة اشهر تقريباً تفصلنا عن المعركة الانتخابية التي تبدأ عادة قبل ستة اشهر من موعدها، اي انه لا يزال امامكم سوى ثلاثة اشهر لاصدار قانون انتخاب فهل انتم قادرون؟ وهل انتم فاعلون؟
ان اجراء الانتخابات وفق قانون الستين يعني ثلاثة امور. اما الوصول الى الفراغ واما الى التمديد، واما انتاج طبقة سياسية هي الطبقة الحاكمة حالياً بمعنى اخر انها التمديد لهذه الطبقة فهل هذا ما تريدون؟
اننا نعيش حقاً في عصفورية سياسية فنأمل ان يقيض الله لنا حلاً ينهي هذا الجنون ويعيد العقول الى رؤوس اصحابها.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق