افتتاحية

فضائح بالجملة والضحية الشعب اللبناني

… وشهد شاهد من اهله. من استمع يوم الخميس الماضي الى وزير الصحة وائل ابو فاعور يتحدث عن الصفقات والسمسرات والاعمال المافيوية داخل مجلس الوزراء، وبين الطبقة السياسية، التي فاحت رائحتها في الداخل وفي الخارج، لادرك ان اللبنانيين لا يعيشون في دولة، لها دستور وقوانين، وتتمتع بسلطة تفرض مصلحة البلاد والناس على الجميع. فالكهرباء التي وعدونا قبل اربع سنوات بتأمين التيار 24 ساعة على 24 في العام 2015، فوجىء اللبنانيون وهم يستمعون الى ان عليهم الانتظار اربع سنوات جديدة لينعموا بالتيار، هذا اذا صدقت الوعود ولم تكن شبيهة بما سبقها وهذا هو المرجح.
حقاً ان الارقام مخيفة فبعد ست عشرة سنة على انتهاء الحرب الاهلية، وبعد هدر اكثر من ثلاثة وعشرين مليار دولار على الكهرباء، لا يزال التيار متوقفاً عند النقطة صفر. فنحن اليوم بحاجة الى 3300 ميغاواط، ولكن الانتاج لا يتعدى في احسن الحالات 1500 ميغاواط، هذا اذا لم تطرأ اعطال وهي كثيرة لان الشبكة ومعامل الانتاج والمولدات، كلها اصبحت قديمة وباتت بحاجة الى صيانة دائمة، لا بل الى استبدالها، بعدما خدمت المدة الكافية التي يمكنها ان تخدمها. وهكذا فان الفارق بين الانتاج والحاجة يفوق 1800 ميغاواط. ومتى ادركنا هذه الارقام وحفظناها، نعلم سبب انقطاع التيار الدائم عن المواطنين. ولكن ماذا فعل المسؤولون حتى يسدوا هذا العجز؟ بالطبع لا شيء. ولو انجزوا خطوة واحدة كل سنة من العام 1990 تاريخ عودة الوضع الى طبيعته، لما كنا وصلنا الى هذا الاهتراء. فلماذا تقاعس الذين تعاقبوا على وزارة الطاقة طوال هذه المدة، ولم يعملوا على تأمين التيار للناس؟
يقال انهم لم يتقاعسوا البتة، بل انشغلوا في عقد الصفقات التي تدر عليهم الاموال، وباتت مصلحة المواطن في نظرهم اخر ما يجب ان يفكروا به. وبعد ذلك هل نتحدث عن مسؤولين؟ وعن اية مسؤوليات يجب ان نتكلم؟ ومن هي الجهة القادرة على المحاسبة؟ من عليه ان يحاسب يجب ان يكون نظيفاً، فاين هم السياسيون الذين يتمتعون بالنظافة؟
الفضيحة الثانية المدوية التي كشفها الوزير ابو فاعور، هي ايضاً مرتبطة بوزارة الطاقة، التي يجب ان تكون ممسكة بكل ملفاتها وضابطة لها، فلا يجرؤ شخص او جهة او سلطة على التطاول عليها. وتتلخص الفضيحة بان داتا النفط بيعت بـ 167 مليون دولار، لم يدخل خزينة الدولة منها سوى 30 مليوناً. فاين طارت الملايين الضائعة؟ ومن المسؤول؟ ومن يحاسب؟ هذا النبأ يذاع على لسان وزير في الحكومة، الا يعتبر اخباراً، يوجب على القضاء التحرك بسرعة لكشفه، واستعادة المال المهدور الى خزينة الدولة، بعد ان يزج باصحاب الصفقات والسرقات في غياهب السجون؟ نحن نعلم ان الضغوط السياسية كبيرة وثقيلة على القضاء، ولكننا نعلم ان بين القضاة رجالاً اشداء نظيفي الكف، لا يخضعون للضغوط السياسية من اي جهة اتت، فهل يتحرك هؤلاء لاعادة الحق الى نصابه، وليشعر المواطن بانه حقاً يعيش في دولة، الكلمة الاعلى فيها للقانون، ولا احد غير القانون؟ ان فضيحة بهذا الحجم لا يمكن اخفاؤها ولفلفتها، فليسارع القضاء الى كشفها. وسنبقى نراقب حتى نتبين النهاية التي حتماً ستكون مدوية، وستطاول رؤوساً كبيرة، نحن في اشد الحاجة والرغبة في ان نراها تتدحرج، فهل يتحقق هذا الحلم؟
لمح الوزير ابو فاعور في حديثه التلفزيوني الى ان هناك اتفاقاً بان يبقى التيار الوطني الحر مشرفاً على وزارة الطاقة، فمن هم اطراف هذا الاتفاق؟ ومن يحق له التفاوض وتوزيع مسؤوليات الدولة على الاطراف السياسية والاحزاب؟ فوزارة الطاقة هي ملك الدولة، وملك المواطنين، ولا يحق لأي طرف مهما علا شأنه ان يضع يده عليها.
حقاً اننا لا نعيش في دولة، بل في مزرعة، القوي فيها يأكل الضعيف، والفاجر يأكل مال التاجر، والضحية هو الشعب اللبناني، فالى من يشتكي ومن يحفظ له حقوقه؟ اسئلة كثيرة ستبقى بلا اجوبة الى ان يقيض الله لنا حاكماً دكتاتوراً عادلاً، يحمل العصا ويهزها بوجه الفاسدين فيعود الحق الى اصحابه.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق