افتتاحية

هل لا يزال في لبنان من يسمع؟

منذ بداية الازمة السورية، والسياسيون في لبنان، الذين لا يعرفون شيئاً من علم اصول الحكم والسياسة، يرددون باستمرار ان لبنان تحميه مظلة دولية تؤمن له الامن والاستقرار، فناموا على حرير، وكعادتهم اتكلوا على الغير لابعاد شبح الحروب والويلات، وهم لا يدرون ان هذا الغير هو بحاجة الى مظلة تحميه من الارهاب الذي ضرب مختلف دول العالم، وزرع الرعب والموت والدمار.
وحده الجيش اللبناني ومعه القوى الامنية كلها كانت تدرك مدى خطورة الوضع، واتخذت كل التدابير والاحتياطات اللازمة، فاستطاعت ان تكشف العديد العديد من الخلايا الارهابية النائمة، وتجنب البلاد الكثير من المآسي والويلات. ولكن اياً تكن درجة الوعي لدى الاجهزة الامنية، فلا بد للارهاب الذي يعمل في الظلام، وقد غلف الحقد قلبه وروحه وكل عرق ينبض فيه، من ان ينفذ من خلال ثغرات يجدها هنا او هناك، وينفذ جرائمه. وهذا ما حصل في بلدة القاع الحدودية التي استطاع اهلها الابطال ان يواجهوا الانتحاريين بصدورهم، بالتعاون مع الجيش اللبناني الذي اثبت قدرة وكفاءة كانتا موضع اعجاب العالم.
وجريمة التسلل الى القاع جعلت الامن الشغل الشاغل للمواطنين ودفعت الجميع للتوجه الى القوى الامنية، وعلى رأسها الجيش، متجاهلين القوى السياسية، وهي اصلاً مجهولة، لولا الفضائح والغرائب التي تصدر عنها ضد هذا البلد المنكوب برجال لا يفقهون للسياسة معنى، ولا يمكن تصنيفهم من طبقة الحكام. فالحاكم يفترض فيه ان يضع مصلحة البلاد فوق كل مصلحة، ولكن في لبنان المصالح الخاصة هي التي تسود. ولولا ذلك لما كان لبنان بلا رئيس للجمهورية منذ سنتين ونصف.
اذاً تعرض لبنان لموجة عنف مؤلمة، استطاع ابطال الجيش وابطال القاع تفشيلها رغم الثمن الباهظ الذي دفعوه، ولكنه كان حافزاً اضافياً لمضاعفة المراقبة والسهر، والقوى الامنية لم تقصر في هذا المجال، اذ استطاعت في الاسابيع الاخيرة ان تفكك خلايا ارهابية كثيرة، كانت تستعد لتنفيذ عمليات خطيرة جداً لولا العناية الالهية وسهر القوى الامنية.
جاء في اعترافات بعض المعتقلين ان ضعف الطبقة السياسية وهشاشتها جعلت داعش يفكر بان الطريق سهل للوصول الى لبنان واقامة امارة فيه، ومن هنا كانت هذه الهجمة الارهابية على لبنان. طبعاً هي لم تطاول السياسيين، بل كانت الشغل الشاغل للجيش والقوى الامنية الاخرى التي يعلق عليها الناس اكبر الامال.
الدول الكبرى تتسابق على الاشادة بالجيش اللبناني، وتنادي بتقديم كل المساعدة والعون له. اما السياسيون فلم يكن لهم ذكر في هذه المعركة المصيرية، حتى انهم لم يشعروا بالخطر يطرق ابواب الوطن، فاستمروا في جدالاتهم العقيمة دون الاتفاق على الامور الاساسية في البلاد، وفي طليعتها انتخاب رئيس للجمهورية، واصدار قانون عادل للانتخاب، وغير ذلك من الامور التي تحفظ الوطن من التفكك والانهيار.
العالم بدا متجاهلاً ومحتقراً لهؤلاء الذين يرتضون بان يبقى بلدهم بلا رئيس طوال هذه المدة، بحجة تأييد هذا ورفض ذاك، دون اتباع الاسس الديمقراطية والنزول الى المجلس النيابي وانتخاب رئيس، كما يحصل في كل دول العالم. ثم لماذا تمر السنوات دون الاتفاق على قانون للانتخاب ينصف الجميع؟
نعود الى الاجهزة الامنية. فالحكومة تدعو الى مواجهة الهجمة الارهابية بالوقوف الى جانب القوى الامنية. فلماذا لا تطبق هي نفسها شعاراتها التي تطلقها مع شروق كل شمس؟ لماذا يعقد رئيس الحكومة تمام سلام اجتماعاً امنياً، فيبعد عنه مدير امن الدولة، في وقت لبنان احوج ما يكون الى اجهزته الامنية كلها، فضلاً عن ان جهاز امن الدولة قام بدور كبير في ملاحقة الارهابيين، وسجل نقاطاً في هذا المجال. فلماذا هذا التمييز؟ هل صحيح ان رئيس الحكومة يخضع لضغوط سياسية يصر اصحابها على اقصاء مدير جهاز امن الدولة لانه رفض الخضوع لهذه القوى وناهض تدخلاتها المكشوفة؟
هل صحيح انه كلما عنّ على بال واحد من المتنفذين اقصاء مدير لاحد الاجهزة الامنية تتجمد البلاد حتى يلبى طلبه؟ لماذا الاصرار على اقصاء اللواء قرعة، وما هو الذنب الذي اقترفه سوى عدم موافقته على مواقف نائبه، لماذا لا يطبق القانون في هذه الحالة، فيجنب الكثيرين الاحراج؟ العميد نائب المدير ذهب الى التقاعد، فما الذي يمنع من ان يستأنف جهاز امن الدولة تحمل مسؤولياته، وهو يتحملها اصلاً، ولكنهم يبعدوه عن اتمام مهامه. فلماذا كل هذه الكيدية؟ واي ضمانة تبقى للمسؤولين الامنيين اذا غضب احد السياسيين منهم؟ عيب والله عيب هذه السياسة التي تسيء الى اصحابها والى الوطن وسمعته بين الدول. اين النواب والوزراء الذين يفترض فيهم اتخاذ موقف حازم بارغام الجميع على الخضوع للقانون؟ جميع القضايا سهل حلها لو عادوا الى القوانين، ولكنهم لا يريدون، او هكذا يطلب منهم. فهل لا يزال في لبنان من يسمع؟

«الاسبوع العربي»
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق