افتتاحية

ما الفرق بين التمديد وانتخابات وفق قانون الستين؟

انتهت الانتخابات البلدية، وانصرف الجميع الى تقويم نتائجها ودراستها في العمق. الكل يقولون انهم خرجوا رابحين في هذه المعركة، والكل يبدو انهم خاسرون في الحقيقة، والرابح الوحيد في هذا الاستحقاق هو الدولة بجميع اجهزتها الامنية، اذ استطاعت ان تحمي الانتخابات، بدون ان يسجل اي حادث امني كبير يعكر صفو الاجواء، باستثناء بعض الحرتقات الصغيرة التي لا تذكر، والتي ترافق كل معركة انتخابية، ليس في لبنان وحسب، بل في كل دول العالم.
وبعيداً عن تبريرات الاحزاب والسياسيين، وبموقف متجرد، لا بد من تقويم النتائج وقراءتها بتمعن، لتحديد الربح والخسارة ان اول اشارة اعطتها هذه الانتخابات هي ان الدولة قادرة وبسهولة كلية، على اجراء الانتخابات النيابية، وان الحجج والاعذار الامنية التي قدمت في السابق للتمديد مرتين للمجلس النيابي عن غير وجه حق وبعيداً عن القوانين، كانت حججاً واهية وكاذبة، وكان الهدف منها عدم خوض معارك، النواب بغنى عنها، طالما ان مقاعدهم الونيرة باقية، فلماذا المخاطرة ولماذا المغامرة؟ اما اليوم وقد ثبت بان القوى الامنية قادرة على تأمين الاستحقاق وحمايته، لم يعد هناك اي عذر للدولة للتقاعس، بل عليها ان تعمد فوراً الى انهاء خدمات هؤلاء النواب، الذين فشلوا منذ سنتين واكثر في القيام بابسط واجباتهم، فلم يجتمعوا في مجلس النواب وينتخبوا رئيساً للبلاد لتعود الامور الى نصابها.
اذاً اسقط الاختبار البلدي كل ذرائع التمديد للمجلس النيابي، واثبت توق اللبنانيين الى ممارسة حق من حقوقهم الديمقراطية، ضيعه عليهم السياسيون زوراً على مدى سنوات. انهم تواقون حقاً الى المحاسبة، او الى بداية محاسبة على امل ان تتطور هذه الرغبة وتنمو اكثر في نفوس الناخبين، الذين شبعوا ويئسوا من تصرفات الطبقة السياسية الحاكمة.
وبعد ان تأكد السياسيون ان الانتخابات النيابية واقعة حتماً في الربيع المقبل، وكان يجب ان تحصل اليوم وفوراً، اذ لم يعد هناك مبرر لاستمرار التمديد، عادوا الى طرح مشاريع قوانين الانتخاب، وكل فريق يحاول ان يأتي بالقانون الذي يناسب مصالحه الخاصة، بعيداً عن المصلحة الوطنية. ومن هنا فان الجدل الدائر حول قانون الانتخاب قد يضع العراقيل امام العملية الانتخابية، وربما يعطلها، دون ان يرف جفن للطبقة السياسية، خصوصاً وان الانتخابات البلدية رفعت الغطاء عن بعض المتربعين سعداء على كراسي النيابة عن غير وجه حق، واثبتت انهم لم يعودوا يتمتعون باي تمثيل.
هل من المعقول ان تمر السنوات بالعشرات وهذا الطقم السياسي الفاشل العاجز عن انتخاب رئيس للجمهورية، لا يستطيع وضع قانون انتخاب عادل، يساوي بين الجميع، بحيث يصبح النواب المنتخبون بموجبه ممثلين حقيقيين لدوائرهم، ويفوزون باصوات من يمثلون لا باصوات غيرهم؟ ان مثل هذا القانون لو وجد حقاً وطبق، لذهب العدد الاكبر من النواب الممدد لهم الى منازلهم، ولسقطت زعامات لا تزال تتبجح بأنها تمثل اكثريات وهمية، لم تعد موجودة الا في مخيلة اصحابها، فيما الواقع مختلف تماماً. ولكن البلاد لا يزال يحكمها قانون الستين المشؤوم، هذا القانون اذا رسى الجدل السياسي عليه، يعني التمديد مجدداً للمجلس الحالي ومعه التمديد للازمة التي تشل البلاد، في كل قطاعاتها السياسية والاقتصادية، لانها ستكون انتخابات شكلية تعيد الطبقة المتسلطة اياها، والتي هي نتاج انتخابات جرت وفق هذا القانون.
اي عار على هذه الطبقة، التي بعد ان عجزت عن انتخاب رئيس للجمهورية يفعّل عمل المؤسسات، ويزيل عن لبنان صفة الدولة الفاشلة، وقد اعلنها الرئيس تمام سلام صراحة، اي عار ان تعجز منذ اكثر من نصف قرن عن وضع قانون انتخاب عصري جديد، يجدد الحياة السياسية في لبنان ويطورها، ويؤمن دخول الشباب المثقف الى السلطة، والى مراكز القرار، ويعيد الحياة الى دورتها العادية اسوة بما يجري في دول العالم؟
مشاريع القوانين جارية مناقشتها في اللجان النيابية المشتركة ورحلت الى طاولة الحوار بدل رفعها الى الهيئة العامة لاقرار احدها، وحتى الساعة لم يتم التوصل الى صيغة واحدة ترضي الجميع وتنصف الجميع. ويبدو ان هناك رغبة واضحة هذه الايام بالابقاء على قانون الستين، بعدما صدمت الانتخابات البلدية البعض، الذين ادركوا انه في حال وضع قانون جديد للانتخاب، فان مصيرهم سيكون الفشل والخسارة. ولذلك هم يماطلون، ويعملون على تقطيع الوقت عبر اطالة امد المناقشات العقيمة، حتى اذا حان موعد الانتخابات ولم يتم التوصل الى اتفاق، تجرى الانتخابات على اساس القانون الساري المفعول حالياً، وهو قانون الستين، الذي بات واضحاً انه يؤمن لكثيرين ما يطمحون اليه، ويبقي على الوضع الراهن قائماً.
وهنا نسأل ما الفرق بين التمديد للمرة الثالثة للمجلس النيابي، والذي يرفضه الرئيس بري وفق ما صرح به، واجراء انتخابات وفق قانون الستين طالما ان النتيجة ستكون واحدة في كلتا الحالتين؟
لا نقول هذا الكلام جزافاً، بل ان الانتخابات البلدية كشفت الكثير من الواقع المغطى بورقة التوت. فقد تبين اولاً ان الاحزاب التي ادعت انها تمثل الشريحة الاكبر والاوسع من اللبنانيين، تلقت صدمة في الانتخابات البلدية، اذ انصرف الناخبون عنها وعصوا اوامرها، وهذا ما لم يكن يحصل في السابق. وهو ان دل على شيء، فانما يدل على ان عنصر الشباب التواق الى التغيير، بدأ يلمس سوء اداء الاحزاب. ورغم محاولات البعض التغطية على الحقيقة، والقول ان الاحزاب لا تزال القوة الفاعلة على الارض، فان الواقع يثبت عكس ذلك. يضاف الى ذلك ان نسبة المشاركة في الانتخابات، وخصوصاً في العاصمة بيروت يؤكد رفض الناخبين ليس للاحزاب وحسب، بل للطبقة السياسية كلها. اذ كيف يمكن تفسير صعود لائحة بيروت مدينتي الى هذه النتيجة؟
تكفي المكابرة والقفز فوق الحقيقة، بل يجب التعالي على الجراح والعودة الى الذات، ودراسة نتائج الانتخابات البلدية بتأن وتجرد، وعندها تتم محاسبة الذات واصلاح ما يمكن اصلاحه، وقد بات الامر صعباً عليها، ولن تتمكن بسهولة من استعادة امجاد ضائعة، لان الشعب بدأ يستيقظ ويبدو انه تواق الى التغيير، اعتراضاً على واقع زرع اليأس في النفوس. من هنا بات على الاحزاب قراءة النتائج جيداً واستخلاص العبر، خصوصاً وان الانتخابات البلدية والنتائج التي خلصت اليها، تدل على ان الاحزاب كلها، بما فيها حزب الله وحركة امل والتيارات والاحزاب الاخرى خف وهجها، وتراجعت نسبة التأييد لها. حتى العائلات التي تقدمت على الاحزاب اصابها الوهن هي الاخرى في عدد من المناطق، وعليها ايضاً مراجعة نهجها وطريقة تعاملها مع الواقع ومع التطورات.
ان الحياة السياسية في لبنان في مأزق والذين يفترض فيهم ان يخرجوا لبنان من هذا الوضع الاليم هم انفسهم الذين اوقعوا البلد فيه. فما هو الحل؟

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق