افتتاحية

اما التغيير واما… اركبوا البحار وغادروا

في هذا الشهر يكمل الفراغ الرئاسي عامه الثاني ولا تلوح في الافق اي بادرة امل توصل الى خاتمة سعيدة. اربعة وعشرون شهراً انقضت وطريق قصر بعبدا تسدها المطبات السياسية وتمنع الوصول الى القصر الذي بات يردد صدى الايام الخوالي. غابت الحركة وعشش العنكبوت وخيم السكون القاتل، ولا من يبالي ولا من يتحرك.
رؤساء دول وحكومات ووزراء ونواب ومسؤولون من مختلف انحاء العالم زاروا لبنان خلال هاتين السنتين، وكلهم ابدوا حرصهم الشديد على لبنان وضرورة ملء الفراغ. وحدهم السياسيون الذين ابتلي الوطن بهم، غاب عنهم اي حس وطني فتلهوا بخلافاتهم وصفقاتهم وفسادهم المستشري، وبقيت رئاسة الجمهورية اخر هم من همومهم، اثنان من ابرز قوى 8 اذار مرشحان لرئاسة الجمهورية، وبدل ان تسارع هذه القوى الى قطف الثمار، اداروا ظهورهم وكأن البلد لا يعنيهم. لقد ناضلوا على مدى سنتين للاتيان برئيس جمهورية من فريقهم ولما تيسر لهم ذلك، وبدل ان يسارعوا الى استغلال الفرصة، وقفوا يتفرجون على الفراغ ويعدون ايامه، وكأن البلد ليس بلدهم. فاي طبقة سياسية هي هذه الطبقة الفاسدة؟
النائب وليد جنبلاط قطع في حوار تلفزيوني حبل الامل، عندما اعلن ان الاصلاح مستحيل مع هذه الطبقة السياسية – (وهو منها) – ولكن يجب الا نقطع الامل. فما ان يتوفر للبنان من ينهي هذه الطبقة، فلا بد من ان تظهر لاحقاً طبقة جديدة، انتابها القرف وعم السخط لديها، فتطيح هؤلاء وتبني دولة يستحقها اللبنانيون. كان في لبنان رجال كبار قدموا للوطن الكثير، فاضاع هؤلاء المتربعون على صدور اللبنانيين اليوم كل شيء، واصبحنا بحاجة الى بنائين جدد يزيلون النفايات السياسية، قبل النفايات المنزلية.
38 جلسة لانتخاب رئيس لم يكتمل النصاب فيها مرة واحدة، لان المعطلين لا يريدون لهذا البلد ان ينهض، وبما ان القوانين تفصل على قياس الاشخاص، لا على قياس مصلحة الوطن، قال احد كبار المسؤولين قبل ايام ان مجلس النواب يمكنه ان يشرع في اي وقت، حتى في زمن الفراغ الرئاسي، متجاهلاً النص الدستوري الذي يقول ان مجلس النواب، في حال شغور منصب الرئاسة، يصبح هيئة انتخابية، فهل يمكن ان نقفز فوق الدستور وننشىء دستوراً لنا يتناقض مع الاول؟ وهل يمكن ان نتجاوز كارثة ان لبنان بلا رئيس؟ وهل هناك ضرورة اهم من ضرورة انتخاب رئيس؟
ان تصرف رجال السياسة حالياً اصبح بلا سقف ولا ضوابط. فكأنهم اعتادوا على البلد بلا رئيس، ولم يعودوا يفكرون بملء الفراغ القاتل، رغم الاجماع على ان جميع مشاكل البلد، العالقة حالياً تحل لمجرد انتخاب رئيس للجمهورية. فهل اصبح الفراغ قاعدة والانتخاب استثناء؟
جلسوا الى طاولة الحوار وكان الاتفاق ان انتخاب رئيس للجمهورية هو بند اول، لا يمكن الانتقال الى غيره من البنود قبل ان يتم الاستحقاق. فماذا جرى؟ عقدوا جلسات عدة كان عنوانها التقاتل والمكايدة، حتى اذا ملوا انصرفوا الى البحث في بنود اخرى، تاركين البند الاول بلا اتفاق حوله، وبقي الفراغ سائداً. ومرت الجلسات وعقبتها اخرى وتزامنت معها 38 جلسة لانتخاب رئيس للجمهورية، ولكن شيئاً لم يتحقق حتى يئس اللبنانيون ولم يعودوا ينتظرون شيئاً.
فضيحة فضائح هذه الطبقة السياسية ظهرت للعيان قبل ايام عندما اختلف الوزراء في ما بينهم وشنوا حملات هجاء ضد بعضهم البعض ونطقوا بعبارات نابية يندى لها الجبين، والاهداف طبعاً ليست خلافاً على مصلحة لبنان واللبنانيين بل على مصالح شخصية صغيرة وضيقة. روائح الفساد تفوح في كل مكان مسممة الاجواء، واتهامات تتناول موظفين كباراً، ولكن الاذن الصماء دائماً موجودة، فالموظف الفاسد يبقى في وظيفته طالما ان الحماية السياسية مؤمنة له، وهذا لا يحصل في بلاد الناس. فلماذا لا تتم محاكمة المتهمين؟ فان كانوا ابرياء يطلق سراحهم وتبيض صفحتهم، واذا كانوا مرتكبين فلتتم محاسبتهم. لماذا كل هذا اللف والدوران، ولماذا كل هذا التقاعس؟
كيف يجوز بعد اليوم السكوت عن هذه الطبقة الفاسدة. في دول العالم تنزع الثقة من رئيس للبلاد متهم بالفساد ويطرد من منصبه، وعندنا لا يمكن ازاحة موظف مهما كانت الارتكابات. في بلدان العالم الجميع تحت القانون، اياً كانت مراكزهم ومراتبهم، اما عندنا فالامر مختلف والنافذون اقوى من القانون والدستور.
كيف يمكن للشعب ان يغض الطرف ويسكت، وهو يشهد بأم العين الجلسة 38 لانتخاب رئيس تمر مرور الكرام. العالم كله تحرك ومسؤولون بذلوا اقصى ما يستطيعون، دعوا النواب المقاطعين للنزول الى المجلس النيابي وانتخاب رئيس للجمهورية، فتعود الامور الى نصابها، وتعود المؤسسات الى العمل، وعجلة الاقتصاد الى الدوران. الجميع خائفون على لبنان الا اهله الذين لا يحركون ساكناً وكأن الشغور الرئاسي طبيعي، وهذه اللامبالاة لا تقتصر على السياسيين، بل هي تشمل الشعب ايضاً، هذا الشعب الخانع الخامل الذي لو كانت عنده كرامة، لما رضي بأن تبقى بلاده بلا رئيس، اكراماً لهذه الجهة او لتلك. ولكان تحرك بصورة فعالة، ولأرغم السياسيين على ممارسة واجبهم. ولكن. لقد اسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي.
السياسيون المقاطعون مرتهنون الى الخارج، ارضاؤه عندهم اهم من اي مصلحة وطنية والشعب الذي يفترض فيه ان يحاسب متخاذل. رأينا الشعوب في مختلف انحاء العالم تتحرك وتحقق مصلحة بلدانها، وعندنا الشعب يقضي يومه في التلهي بوسائل التواصل الاجتماعي، حتى اصبح العالم ينظر الينا على اننا شعب لا يستحق دولة، ليلتحق كل طرف بالوصي عليه والسلام على لبنان.
لماذا لا توجد صيغة ترغم النواب المقاطعين على النزول الى المجلس النيابي وانتخاب رئيس للجمهورية؟ لماذا يستطيعون ان يجروا انتخابات بلدية، ولا يستطيعون ان يجروا انتخابات نيابية تزيح هذه الطبقة اللامسؤولة، فتأتي بوجوه جديدة مثقفة، تتمتع بالحس الوطني بعيداً عن المصالح الشخصية؟
باختصار الوضع يدعو الى اليأس، فاما التغيير الذي يجب ان يبدأ بازاحة الطبقة السياسية كلها، واما على اللبنانيين ان يركبوا البحار ويغادروا الى اقاصي الارض، علّ حميتهم تستيقظ هناك، فيعيشون حياة كريمة لا تشوهها النفايات السياسية، والنفايات التي غمرتنا على مدى سبعة او ثمانية اشهر ولا تزال روائحها تطاردنا حتى الساعة.

«الاسبوع العربي»

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق