افتتاحية

ماذا لو تبخر الامل برئيس جديد للجمهورية؟

بعد ما يزيد على سنة ونصف السنة من الفراغ القاتل في سدة الرئاسة الاولى، وحيث خيم الجمود وانعكس على كل المؤسسات الرسمية، فتعطلت الحركة في البلاد، واصبح لبنان على وشك ان يسجل على قائمة الدول العاجزة… بعد كل هذه المدة الطويلة والتي تعتبر نقطة سوداء في تاريخ لبنان، اطلقت تسوية بدأت صغيرة وعادية ثم اخذت تكبر وتكبر حتى شكلت املاً تعلق به اللبنانيون وهم يرقبون التطورات لحظة بلحظة علّ الامور تنتهي الى ما فيه خير البلاد، التي عانت وما زالت تعاني الكثير من انعكاسات الخلافات الداخلية والازمات الخارجية، وفي طليعتها الازمة السورية التي زرعت اليأس في قلوب اللبنانيين، فباتوا يخشون في وقت من الاوقات بأن هذا النفق الذي ادخل البلد فيه هو بلا نهاية. فحرام ان يتبخر هذا الامل بفعل تشبث الزعماء بمواقفهم.
هذه البادرة التي سميت تسوية، والتي انطلقت بعد لقاء في باريس جمع الرئيس سعد الحريري والنائب سليمان فرنجية، حركت مياه الرئاسة الراكدة بفعل خلافات سياسية داخلية تكاد لا تنتهي، وارتباطات خارجية فعلت فعلها على الارض.
اللبنانيون على مختلف مذاهبهم ومشاربهم هللوا للبادرة وراحوا يترقبون بقلق وايديهم على قلوبهم، خوفاً من ان تفشل، وتبقى الامور مجمدة الى ما لا نهاية، لا بل انها في حال استمرار الفراغ مرشحة لان تتحول الى الاسوأ. هذه الفرحة المشوبة بالحذر ليست حباً بسليمان فرنجية ولا كرهاً لا بالعماد ميشال عون ولا بالدكتور سمير جعجع، ولا ايضاً بالرئيس امين الجميل، بل حباً بلبنان واخراجه من المأزق الذي يتخبط فيه. هذه الفرحة لم تقتصر على اللبنانيين، رغم انهم اصحاب الشأن، بل تعدتهم الى الخارج، فرحب العديد من الدول الكبرى وفي طليعتها الولايات المتحدة وفرنسا، وكذلك الدول العربية، وفي طليعتها السعودية، والامين العام للامم المتحدة بان كي مون، الذي دعا الزعماء اللبنانيين الى تجاوز خلافاتهم، والمسارعة الى انتخاب رئيس للجمهورية. هذه الدول الصديقة تهمها مصلحة لبنان، وطالما عبرت عنها في مناسبات عديدة، وقدمت النصح وبذلت الجهود لاخراج البلد من الطريق المسدود، رغم ان لبنان ليس من اولوياتها حالياً.
وحدهم الزعماء المسيحيون وبالتحديد الزعماء الموارنة الذين ابدوا امتعاضهم وبدأوا بوضع العقبات لسد الطريق الى قصر بعبدا، فهل لهم ان يقولوا للبنانيين ماذا يريدون؟ وهل ان معارضة التسوية التي لم تأت لصالحهم الشخصي هي لمصلحة الوطن، ام انها دفاع عن مصالح خاصة لم تعد تهم اللبنانيين بشيء؟
لقد اعلن الزعماء اللبنانيون منذ اليوم الاول للشغور الرئاسي انهم مستعدون لتأييد وانتخاب اي شخصية يتفق عليها الزعماء المسيحيون، واعطوهم مهلة امتدت على مدى سنة وسبعة اشهر، علهم يتوصلون الى اتفاق ينقذ البلد، ولكنهم مع الاسف لم يقوموا باي مبادرة، فاضطر الزعماء الباقون الى ان يقدموا هذه المبادرة، فهل يحق بعد ذلك للزعماء الموارنة ان يتنكروا لها؟ ان الباب لا يزال مفتوحاً امام كل المبادرات والاحتمالات، والنائب سليمان فرنجية لم يصعد بعد الى قصر بعبدا، فهل يجتمع زعماء الموارنة ويتفقون على شخص يجمعون على تأييده، فيدخل الرئاسة من الباب الواسع والعريض، وتكون له القوة والدعم اللازمان اللذان يمكنانه من ان يحكم،دون ان تكون يداه مقبلتين، فتنطلق مسيرة البلد المجمدة؟
اذا كان الجواب نعم، فاهلاً وسهلاً وسيصفق لهم اللبنانيون، وان كان كلا، فليقبلوا البادرة بكل حسن نية ويسيروا في التسوية. وبهذا يكونون قد ساهموا في عملية انقاذ لبنان، واظهروا عن وطنية صادقة. والمطلوب من الزعماء الموارنة ان يسهلوا الوصول الى العملية الانتخابية التي طال انتظارها، وان يلتفوا حول الرئيس الذي سينتخب ويقدموا له الدعم والتأييد. اياً كان هذا الرئيس شرط ان يرتضي به اللبنانيون.
اما المطلوب من الرئيس الذي سيدخل الى قصر بعبدا، فكثير وصعب ونحن نسأل الله ان يشد ازره ويساعده على القيام بالمهمة الصعبة التي ستلقى على عاتقه. وفي طليعة هذه المهمات جمع اللبنانيين والعمل واياهم على انهاء الخلافات السياسية التي تعصف في ما بينهم وتعطل كل شيء، واصلاح الكثير من القضايا التي افسدها الدهر لا بل افسدها السياسيون وفي طليعتها قانون عصري جديد للانتخابات، وهو اصل العلة، يراعي حقوق جميع الطوائف، وهذا وحده كفيل بحل الكثير من المشاكل اتي تواجه اللبنانيين، كما يساهم في حل الخلافات التي سببها قانون الستين.
نعم نحن نعلم ان الرئيس لا يحمل عصا سحرية وان الامور ليست كلها في يده، ولكنه اذا استطاع ان يجمع اللبنانيين ويصلح في ما بينهم، فعندها سيتمكن من تحقيق هذه القضايا ويطلق عمل المؤسسات والعجلة الاقتصادية، فتنتعش الاسواق.
هل ان لبنان عائد الى الساحة الدولية بكامل مؤسساته الدستورية؟ سؤال لا يستطيع احد الاجابة عليه طالما ان الامور معقدة بهذا الشكل وكل المعنيين على مواقفهم التي تخدم مصالحهم. فعسى ان يحمل العام الجديد عهداً جديداً وانطلاقة مدوية، والا فأن الامور ستزداد تعقيداً، ومعها تزداد معاناة الناس والبلاد.

«الاسبوع العربي»

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق