سياسة لبنانية

«التسوية الرئاسية» و«عامل الوقت»

حصل في الأيام الأخيرة ما أدى الى فرملة الاندفاعة القوية للقاء باريس والى إفقاده ما بدأ به من زخم ودينامية. فقد حصل تجميد للخطوات وخيّم التريث على الأجواء وبات الكل في حال انتظار وترقب… وهذا التعثر الحاصل في الانطلاقة ينظر إليه من زاويتين مختلفتين:
– هناك من يعتبر أن عامل الوقت يلعب في غير مصلحة هذه التسوية التي يزداد تمريرها صعوبة بمرور الزمن، وكلما تأخر الوقت يصبح وصول فرنجية الى قصر بعبدا أصعب… فإذا لم يصر الى انتخاب فرنجية رئيساً هذا الشهر وقبل نهاية العام الجاري، يكون قد فقد فرصته الذهبية ويكون الملف الرئاسي عاد الى المربع الأول «مربع الفراغ» نتيجة تعذر الانتقال من «عون”» الى الرئيس التوافقي.
– هناك من يعتبر أن واقعاً جديدً طرأ على المعادلة الرئاسية سيزداد رسوخاً مع مرور الوقت. والتطور المهم يتمثل في أن الانتقال حصل من «مربع عون» الى «مربع فرنجية» الذي أطاح في آن مرشح 14 آذار والرئيس التوافقي. وفي حين تبدو العودة الى المربع الأول متعذرة، فإن البقاء في المربع الثاني يستلزم تذليل العقبات والصعوبات الناجمة عن حدث أو تحول كبير لم يتم التحضير له جيداً أو مسبقاً… وبالتالي فإن عامل الوقت لا يؤدي الى إضعاف أو تبديد هذه التسوية  كأنها لم تكن، وإنما يساهم في تثبيتها وفي تفكيك الألغام الكثيرة التي تعترض طريقها… وبالتالي فإن «طبخة ترشيح فرنجية» ما تزال على النار ولكن وُضعت «على نار خفيفة» لأن هذه التسوية تحتاج الى إنضاج والنار القوية تعطي نتيجة عكسية وتؤدي الى «شوشطة» الطبخة (إحراقها).
أما الألغام والصعوبات التي يحكى عنها فإنها لا تتصل فقط بحجم الحالة السياسية الاعتراضية التي ظهرت داخل فريقي 8 و14 آذار، وخصوصاً  الاعتراض المسيحي الذي ظهر بأوضح أشكاله عند القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر والى حد ما الكتائب… هذه الصعوبات تتصل خصوصاً بحجم ودقة التسوية الشاملة التي سيُنتخب فرنجية على أساسها ومن ضمنها. فالأمر ليس بسيطاً الى حد اختزاله بمعادلة «فرنجية مقابل الحريري»، والتسوية لا تقتصر على معادلة «رئيس جمهورية من 8 آذار مقابل رئيس حكومة من 14 آذار»، وإنما هي صفقة متشعبة تشمل، إضافة الى انتخاب رئيس للجمهورية، الاتفاق على الحكومة المقبلة، رئاستها وشكلها وتركيبتها، والاتفاق على قيادة الجيش، والموقف السياسي للعهد الجديد الذي سيعكسه البيان الوزاري للحكومة الجديدة، وخصوصاً ما يتعلق بالموقف من الأزمة السورية وتدخل حزب الله فيها، وقضية النازحين السوريين ومشروع الدولة وسلطتها وما يتصل بسلاح المخيمات وسلاح حزب الله، إلخ… ولكن أهم ما في هذه التسوية هو «قانون الانتخاب» الذي يشكل القضية المحورية وأم المعارك السياسية ويفوق في أهميته انتخاب رئيس جديد… وهذا الموضوع يثير بلبلة شديدة بعدما تم الكشف عن جانب من اتفاق الحريري مع فرنجية، وهو الجانب المتعلق بالتوافق على تجاوز «النسبية» وأن تكون أي انتخابات جديدة على أساس القانون الحالي أي قانون الـ 60… وهذا الاتفاق سواء كان صحيحاً أم لا كان كافياً لتأجيج شكوك وهواجس القادة المسيحيين الذين يخوضون معركة قانون الانتخابات على أنها «معركة حياة أو موت»، والذين إذا قرروا يوماً أن يمشوا بخيار فرنجية للرئاسة، فإنهم سيربطون انتخابه بالاتفاق على قانون الانتخاب وأن يكون البت بهذا القانون وحسمه قبل ملء الشغور الرئاسي. وهذا الربط كاف لوحده ليجعل من مسألة انتخاب فرنجية بعيدة الحدوث أو بعيدة المنال. فالاتفاق على الرئيس أسهل بكثير من الاتفاق على قانون الانتخاب.
الجميع في حالة انتظار: فرنجية وجنبلاط ينتظران الحريري… الحريري ينتظر بكركي وفكفكة العقد مع حلفائه… حزب الله ينتظر موقف عون… وعون ينتظر عرضاً متكاملاً… حزب الله ينتظر أيضاً صدور موقف رسمي من الحريري، والحريري ينتظر أن تأتيه إشارة ضمنية من حزب الله… جعجع ينتظر ما سيرسو عليه الموقف السعودي وأي وجهة سيسلكها عون… بري ينتظر اكتمال الصورة وعناصر التسوية لتحويل الجلسة التي حددها في 16 كانون الجاري جلسة انتخاب «رئيس التسوية» (كما سماه جنبلاط) سليمان فرنجية.
وبانتظار اكتمال الصورة التي تزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، فإن آخر المعطيات والأجواء المتعلقة بالملف الرئاسي تفيد بالآتي:
1- سليمان فرنجية انتقل عملياً من مرحلة «ترشيح عون» وتأييده الى مرحلة «ترشيحه هو» وتسويقه… وفي موازاة ذلك يحصل انتقال من مرحلة امتدت سنة ونصف وكان عنوانها «عون… أو الفراغ» (لا رئيس) الى مرحلة بدأت تحت عنوان «فرنجية… أو الأسوأ» (كما يقول فرنجية) أو تحت عنوان «التسوية… أو المجهول» (كما قال الوزير أبو فاعور بعد لقائه بري).
2- فرنجية، الذي تجاوز عون، اختار أن يبدأ تحركه الرئاسي من عند وليد  جنبلاط السبّاق الى طرح اسمه… كان اللقاء بين «وليد بك» و«سليمان بك» ودياً للغاية، لقاء إبرام عقد التحالف المستقبلي بينهما. تحالف ينطلق من رئاسة الجمهورية ويمتد الى ما بعدها مع نجليهما تيمور وطوني اللذين حضرا اللقاء… ومن الواضح أن فرنجية يتصرف ويتحدث من خلفية أنه «الرئيس المنتخب» وليس من خلفية أنه “المرشح الرئاسي». عينه على قصر بعبدا، ولكن كلامه وتصويبه على مرحلة ما بعد دخوله بعبدا.
3- الرئيس سعد الحريري أخذ قراره النهائي بتأييد انتخاب فرنجية وقطع شوطاً متقدماً في تسويق هذا الخيار وتبريره وفي امتصاص الصدمة ومعالجة المشكلة مع جمهوره ومع حلفائه… الحريري وفرنجية يتصرفان من خلفية أن النصاب «الدستوري» للجلسة بات مؤمناً وأن النصاب السياسي يحدده موقف حزب الله، وأن النصاب «الميثاقي» الذي يفترض الحد المعقول من المشاركة والتغطية المسيحية يمكن تأمينه من خلال حزب الكتائب الذي لا مشكله له مع فرنجية ولا مع مبدأ انتخابه ويفاوض على الضمانات والشروط، ونواب 14 آذار المستقلين الذين يمثلهم النائب بطرس حرب… والأهم من كل ذلك تغطية بكركي التي يبدو أنها تأمنت، وأن الإشارة الأولى صدرت عن البطريرك الراعي عندما قال «“سمعنا بمبادرة ما بدأت تفتح فجراً جديداً ونحن نؤيد هذه المبادرة»…
4- الموقف الدولي والإقليمي يميل بوضوح الى تأييد التسوية وفق معادلة «فرنجية -الحريري»… الأميركيون هم أكثر المتحمسين لتسوية يرونها الحل الوحيد الممكن في لبنان، والسفير جونز يكمل ما كان بدأه هيل مع جنبلاط… والأوروبيون لا يرون لبنان إلا من خلال حزب الله ولا يعتقدون بإمكانية انتخاب رئيس للبنان إلا من خلال تسوية مع حزب الله ورئيس يدعمه ويثق به. وأما إيران فإنها تترك الأمر لحزب الله وحرية اتخاذ القرار الذي يناسبه… وأما السعودية فإنها تشدد على انتخاب «الرئيس المسيحي» وأن يكون للمسيحيين دور وكلمة في انتخابه. ولم يصدر عن السعودية أي إشارة تفيد أنها ضد انتخاب فرنجية، وكلام السفير السعودي علي عواض العسيري الذي تحدث عن إجماع لبناني وخصوصاً مسيحي طرأ عليه تعديل بعد لقائه بري وحلت كلمة «توافق» (لبناني – لبناني) محل كلمة «إجماع» (لبناني عموماً ومسيحي خصوصاً)، مع التذكير بأن موضوع رئاسة الجمهورية «“شأن لبناني داخلي».
«أنا كرئيس للجمهورية سأعمل دائماً على إيجاد قانون ينصف التوازن الوطني»… هذا ما قاله النائب سليمان فرنجية بعد لقائه مع البطريرك بشارة الراعي في بكركي. هذا اللقاء الذي تم بصفة عاجلة وبعد قليل من وصول الراعي من الخارج…
الى هذا الحد فرنجية «مستعجل» على تجميع أوراقه الرئاسية وتدعيم فرصته بانتخابه رئيساً، فرصة سنحت له وسارع الى الانقضاض عليها واقتناصها وسيعمل جاهداً كي لا تفلت من يده… والى هذا الحد واثق من نفسه ومن وصوله الى قصر بعبدا. فهو الآن يخاطب الجميع من موقعه «كرئيس للجمهورية» وليس من موقعه كمرشح للرئاسة، ويعطي التوضيحات والتطمينات…
المفارقة أن فرنجية يتوجه الى حلفائه أكثر من خصومه، وأن مشكلته مع حلفائه أكثر مما هي مع خصومه. ولذلك فإنه يجهد لتبديد الانطباعات والاتهامات التي حاصرته بأنه ذهب بعيداً في لقائه مع الحريري الى حد إبرام صفقة وإعطاء تعهدات تتعلق خصوصاً بقانون الانتخاب… المفارقة أن الصورة الرئاسية تبدو على الشكل الاتي: فرنجية كما لو أنه  مرشح الحريري وجنبلاط وان التحفظات والشروط على انتخابه تأتي من فريقه وخصوصاً من عون وحزب الله… المفارقة هنا أن حزب الله يتصرف من خلفية أنه ليس معنياً ولا مطالباً بتقديم تنازلات مقابل انتخاب فرنجية رئيساً، وأن على الحريري تقديم تنازلات إذا أراد لمبادرته الرئاسية التي تعيده الى رئاسة الحكومة أن تنجح، وهذه التنازلات هي التي يُشار إليها تحت عنوان «تسوية شاملة متكاملة» وتتضمن في «سلة واحدة» رئاسة الجمهورية والحكومة (رئاسة وتركيبة وبرنامجاً سياسياً) وقانون الانتخاب…
المفارقة أيضاً أن الحريري وفرنجية مطالبان من جانب حزب الله وبالتكافل والتضامن إرضاء العماد ميشال عون. حزب الله لا يعتبر نفسه معنياً بتقديم تنازلات وتحديداً دفع ثمن انتخاب حليفه فرنجية للرئاسة، وإنما يعتبر أن الحريري هو المعني والمطالب بدفع الثمن السياسي لتخلي حزب الله عن «ورقة عون» ولتخلي عون عن الرئاسة فيما لو حصل، فمن دون هذا «التخلي» لا مجال لنجاح المبادرة والتسوية ولا لانتخاب فرنجية.
حزب الله الذي «نزل درجة» في موقفه وأظهر مرونة عندما لم يعد متمسكاً بانتخاب عون رئيساً، ليس في وارد أن «ينزل أو يتنازل أكثر» وسيظل متمسكاً بمعادلة أن «عون هو الممر الإلزامي» الى الرئاسة وأن طريق بعبدا تمر في الرابية… والمشهد الرئاسي يمكن تصويره على هذا النحو: قصر بعبدا بابه مقفل منذ سنة ونصف، إذا كان الحريري هو «القفل» فإن عون هو «المفتاح». والسيد حسن نصرالله هو اليد التي تمسك بالمفتاح… إذا كانت الكلمة الأولى «المبادرة» للحريري في انتخاب الرئيس، فإن الكلمة الأخيرة الفاصلة هي لنصرالله… وعون هو محطة إلزامية لا بد من التوقف عندها.
الوضع المثالي لحزب الله يكون في أن يحصل على «الرئيس الحليف» وأن يحتفظ بـ «الزعيم الحليف». ولذلك فإنه لن يضيع فرصة ذهبية لا تتكرر بوصول حليفه سليمان فرنجية في معركة رئاسية مثالية بالنسبة إليه أصبح الخيار فيها محصوراً بين مرشحين قويين من حلفائه، فيما أطاحت مبادرة الحريري الرئيس التوافقي ومرشح 14 آذار على حد سواء… وأيضاً لن يفرط حزب الله بعون وموقعه وتحالفه معه ولا بالحالة المسيحية التي أوجدها وشكلت أول وأكبر اختراق مسيحي استراتيجي في اتجاهه ولمصلحته… ولذلك فإن حزب الله سيكون السند الفعلي للعماد عون في «مفاوضاته الرئاسية» المزدوجة مع فرنجية والحريري… والمعادلة واضحة: لا يتخلى حزب الله عن ترشيح عون طالما هو مرشح ولم ينسحب… ولا ينسحب عون حتى لمصلحة فرنجية العضو في تكتل الإصلاح والتغيير إلا متى حصل على الضمانات والتعهدات بتنفيذ مطالبه وشروطه… ومن هنا فإن الأنظار تتجه مرة جديدة الى عون، والى اللقاء الذي سيجمعه مع فرنجية…
المفارقة هنا أن المفاوضات الرئاسية تجري بين حليفين وداخل الفريق الواحد. وفرنجية سيلتقي عون ويحاوره كرئيس وليس كمرشح… كرئيس، بين يديه تأييد أكثرية نيابية، يطمئن حليفه ويعرض ما لديه… وليس كمرشح يطالب حليفه بالتنازل لمصلحته ويسأله ماذا يريد بالمقابل… فرنجية أصبح المرشح الأول، لا بل الرئيس المقبل، بحكم «الأمر الواقع»، أو هذا على الأقل ما يتصوره ويراه هو بعدما تأكد من نهائية موقف الحريري وتغطية بكركي واكتمال حلقة التأييد الدولي والإقليمي…
كثيرون مثل فرنجية يعتقدون الآن أن فرنجية بات «رئيساً بالقوة»، وليصبح «رئيساً بالفعل» فإنها مسألة وقت وترتيبات وسيناريو وإخراج… وفرنجية بالتالي أصبح «ثابتة» وانتخابه حاصل عاجلاً (16 كانون) أم آجلاً (في العام الجديد)… ولكن هناك من يرى أن مسألة انتخاب رئيس للجمهورية ما زالت مسألة صعبة ومعقدة لأن الانتخاب مربوط بتسوية شاملة وهذه تدخل فيها حسابات واعتبارات إقليمية… فإذا لم ينتخب فرنجية هذا الشهر، فإن انتخابه سيصبح أصعب والوقت لا يعود يعمل لصالحه…

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق