افتتاحية

اهتموا بمصالح الناس قبل ان يجرفكم التيار

بعد ان شارفت المهرجانات الصيفية على نهايتها في جميع المناطق اللبنانية وبدأت الحركة تخفت شيئاً فشيئاً، ازدحمت الساحات بالتظاهرات المدنية والشعبية وكذلك السياسية.
هذه التظاهرات بدأت بفريق صغير من حركة «طلعت ريحتكم» ولكنها ما لبثت ان تمددت وتوسعت لتصل الى ذروتها في 29 آب (اغسطس) الماضي مطالبة بمحاربة الفساد، وتحقيق المطالب الشعبية واولها وخصوصاً الكهرباء والمياه. وكان كر وفر، وتصارع المتظاهرون مع القوى الامنية التي كانت تنفذ اوامر سياسية. فالسياسيون كما يعرف الجميع استطاعوا على مدى عقود طويلة تدجين الشعب، فسكت على مضض، واحياناً كثيرة بلا مبالاة، وكأن ما يجري لا يعنيه. وكان هذا الصمت موضع انتقادات قاسية من اطراف كثيرة، واستغراب كبير من الخارج الذي يعرف عن اللبناني ديناميكيته ونشاطه. فلماذا هو الان يصمت على الظلم اللاحق به؟
واخيراً وعندما طفح الكيل ووصلت المعاناة الى حدها الاقصى، والسياسيون ماضون في فسادهم، نزل الشباب والشيوخ والاطفال الى الساحة في مشهد رائع جرى تلقائياً وعفوياً دون طلب واستجداء من احد، فثارت الطبقة السياسية وهي ترى ان التحرك يستهدفها بالدرجة الاولى، فعملت بكل ما توفر لها من امكانيات لتعطيلها، ولكن مسعاها خاب فأله لان الناس لم يعودوا قادرين على الصبر والسكوت. وهم ماضون في تحركهم الى ان تتحقق مطالبهم.
السياسيون حاولوا استغلال هذه التظاهرات بالتصاريح، ووصل الامر بهم الى التظاهر وحشد الانصار والحلفاء والمحاسيب من كل حدب وصوب، ولكن مطالبهم كانت محض سياسية، الامر الذي جعل الناس يتساءلون ضد من هذه التظاهرات؟
التحركات كثيرة وهي اشكال والوان، والحاجة دائماً الى اهداف محددة اولها انتخاب رئيس للجمهورية، يعيد الحياة الى القطاع الرسمي المشلول، بفعل التعطيل الذي يمارسه فريق من السياسيين، وهدفه بالطبع ليس تحقيق مطالب الشعب بل مصالح خاصة. واذا ما تم انتخاب رئيس للجمهورية يتم تلقائياً تشكيل حكومة تكنوقراط تتولى وضع قانون انتخاب عادل على اساس النسبية، وتجرى الانتخابات لتغيير هذا الطقم السياسي الفاسد.
وتتماشى مع هذه البنود المطالب الشعبية الملحة، واولها الكهرباء هذه المؤسسة التي استنزفت خزينة الدولة على مدى سنوات والناس لا يزالون في العتمة، وكأنهم يعيشون في القرون الوسطى، لا بل في الجاهلية. اين طارت المليارات التي انفقت على الكهرباء، وقد دفعها المواطن من جيبه ومن ارزاق عياله، على امل ان ينعم بالنور، فاذا بهم يتمادون في اغراقه في العتمة، ولا من يسأل ولا من يحاسب. منذ شهرين وشركة كهرباء لبنان تقطع التيار عن بيروت مرات عديدة في النهار الواحد، مخالفة بذلك قراراً من مجلس الوزراء بحصر التقنين ثلاث ساعات في اليوم، فاين النواب وخصوصاً نواب بيروت لا يسألون عن سر هذا الانقطاع، وعما فعلته ادارة شركة الكهرباء منذ اكثر من اثنتي عشرة سنة مدة تربعها على رأس شركة الكهرباء لتأمين التيار؟ فلتدلنا على انجاز واحد تحقق. واين التحقيق الذي تولاه المدعي العام المالي، الذي تحرك بعدما لمس ان هناك فساداً وظلماً يطولان الناس، فلماذا لا تنشر نتائج التحقيق؟ الا يحق للناس ان يعرفوا اين تذهب الاموال التي يدفعونها؟
وما يقال عن الكهرباء يقال ايضاً عن المياه. ففي شتاء 2014 بلغت الامطار والثلوج حدها الاقصى، حتى الطرقات والصخور تحولت ينابيع ولكن شركة المياه بقيت تمد المواطن بالمياه مرة كل 48 ساعة، وما ان اطل فصل الصيف حتى انحصر تزويدنا بالمياه بساعات قليلة كل 48 ساعة تكاد لا تكفي المنازل. فلماذا؟ واين ذهبت المياه؟ وماذا فعلوا لجعل المواطن يستفيد منها؟
حذار ان يقول سياسي واحد انه لو كان حاكماً لبدل الاوضاع. لقد مارسوا السلطة كلهم، نعم كلهم، على مدى سنوات وتولوا اعلى المسؤوليات واهم الوزارات، ولم يحققوا انجازاً واحداً، فهل يعتقدون ان تحركاتهم وتصاريحهم لا تزال تنطلي على الناس؟
بدأت في المجلس النيابي جلسات حوار لا يأمل اللبنانيون منها خيراً. لقد سبق لهم وخبروها وخاب املهم، فهل تكون هذه المرة افضل من سابقاتها، خصوصاً وان بعض القوى حاولت تطويقها قبل ان تنطلق؟ قال الرئيس بري صاحب الدعوة الى الحوار انه سيوافق على كل ما يتفق عليه المتحاورون. ونحن نقول العبرة ليست في الموافقة بل في التنفيذ؟ فهل يضمن الا تبقى القرارات حبراً على ورق؟
اهتموا بمصالح الناس وبمطالبهم قبل ان يجرفكم التيار الشعبي الى البحر، وستثبت الايام صحة ما نقول.

«الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق