أبرز الأخبار

الانتخابات العراقية: عناصر التغيير تتصاعد في مواجهة حظوظ المالكي

«الحكيم» يعلن انه فاز في الانتخابات، والمالكي يسعى بكل نفوذه، وبكل ما أوتي من قوة وما يمتلك من اوراق للحصول على تجديد لولاية ثالثة. والجلبي يتهم المالكي بالتدخل في الانتخابات وحث الجيش على انتخابه، اضافة الى دفع الاخرين لانتخاب المالكي ومجموعته. والصدر يسعى جاهداً الى ابعاد المالكي عن الرئاسة. والاكراد يضعون مصلحتهم فوق كل الاعتبارات، ويحاولون جاهدين تأمين مصادر دخل تؤمن لهم متطلبات التنمية والاستقرار بما في ذلك الحفاظ على تدفقات مالية اساسها نفط الاقليم.

بين هذه المفاصل، ثمة شعب عراقي مل الانتظار، ووصل الى حافة القنوط من ساسة بلاده، وفي مقدمتهم نوري المالكي الذي يتشبث بموقعه حتى الرمق الاخير، حيث خاض هذا الشعب معركة الانتخابات الاخيرة املاً في احداث التغيير المطلوب.
وعلى المستوى العام، تتراوح الحالة ما بين القناعة بان التغيير بات وشيكاً، والاحباط من ان المعطيات المتاحة تؤكد ان المسألة ليست بسيطة. وان الحمل ما زال ثقيلاً، ويتراوح ما بين دكتاتورية الحكم واظافر الارهاب وضنك العيش وانتشار الفساد، وتوزيع الجزء الاكبر من ثروات البلاد كمخصصات للحماية والامن لزعماء الدولة بمختلف مواقعهم. الصورة العراقية الراهنة، لمرحلة ما بعد الانتخابات تؤشر على عمق الازمة، وترواح ما بين التفاؤل والتشاؤم. الا ان الامل ما يزال قائماً بحدوث انفراج قريب.
كيف؟

فوضى وقتلى وجرحى
ما بين الرغبة العارمة في التغيير، وبطء اجراءات الفرز واستخراج النتائج، يذكر العراقيون بعضهم البعض بمعلومة تتعلق بالانتخابات السابقة التي اجريت في العام 2010، حيث استغرقت قضية الفرز والتدقيق 86 يوماً سبقت عملية اعلان النتائج. واستغرقت مفاوضات التشكيل الحكومي قرابة التسعة اشهر. وجرى التذكير ايضاً بان القانون العراقي ينص على ضرورة النظر في كل اعتراض يقدم للجنة الانتخابات. الامر الذي يستدعي وقتاً كافياً.
الا ان تلك المعلومة لم تعد كافية لاقناعهم بضرورة التزام الصمت فترة مماثلة، بحكم التطورات الجارية، ومقارنتها مع الموسم الانتخابي السابق. والذي جرى تحت حراب الجيش الاميركي، الذي وفر كما من العناصر السلبية والايجابية للعملية الانتخابية. وانعكس على اجوائها العامة. بينما الانتخابات الاخيرة كانت الاولى بعد انسحاب الجيش الاميركي من المدن، واحتفاظه بمواقع خارجها وتوقفه عن التدخل المباشر في مجريات الامور.
فالمقارنة بين العمليتين تفضي الى تأكيدات بان الاخيرة تميزت بجرعة كبيرة من الفوضى، ادت الى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى. لكنها في الوقت نفسه ادت الى رفع منسوب المغامرة بالخروج الى مراكز الانتخاب، وتحدي عمليات القصف والتفجير، ما انعكس على مستوى الاقبال ورفع نسبة المشاركة، والتي بلغت ستين بالمائة. وهي نسبة يعتقد محللون انها «تاريخية».
وكانت الأحداث الأمنية في الأيام الأخيرة التي سبقت الانتخابات ألقت شكوكاً حيال قدرة القوات المسلحة على الحفاظ على أمن الناخبين، حيث شهد العراق موجة تفجيرات في يوم الاقتراع الخاص بهذه القوات الاثنين، وتفجيرات إضافية الثلاثاء، قتل فيها نحو 80 شخصاً. هنا، ينتظر العراقيون نتائج الفرز لأول انتخابات تشريعية عامة بعد الانسحاب الأميركي، وسط جرعات من الامل بحدوث التغيير الذي يعتقدون انه سيجلب الاستقرار لبلادهم. لكنهم يدركون حقيقة أن النتائج الرسمية لن تصدر قريباً.
وفي الاثناء، تشير التقارير الى ان النتائج الاولية تصل تباعاً الى الغرفة الرئيسية وسط توقعات بان تبقى كذلك لأسابيع بانتظار اعلان النتائج الرسمية.
وبحسب تلك التقارير، لا تقل عملية إعلان النتائج والتصديق عليها أهمية في العراق عن المعركة الانتخابية ذاتها، فالقانون الداخلي للمفوضية المستقلة العليا للانتخابات يفرض عليها أن تنظر في كل طعن تقدم به أي من الكتل المرشحة.

الانتخابات بالارقام
فقد اجريت الانتخابات في كل محافظات العراق الـ 18 بما فيها الأنبار التي تشهد اضطرابات أمنية وتنافس فيها 9032 مرشحاً، منهم 6425 رجلاً و2607 امراة، على 328 مقعداً. وبلغ عدد الناخبين المشمولين بالتصويت العام 20 مليونا و437 ألفاً و712 شخصاً، وبلغ عدد الناخبين المشمولين بالتصويت الخاص مليوناً و23 ألفاً، أما الغيابي للمهجرين فهو 26 ألفاً و350، وبلغ عدد مراكز الاقتراع العام 8075 مركزاً ضمت 48 ألفاً و852 محطة. ووصل عدد وكلاء الكيانات السياسية إلى أكثر من 100 ألف، أما المراقبون الدوليون فقد اعتمد 1249 منهم، فضلاً عن اعتماد 37 ألفا و509 مراقبين محليين. وبلغ عدد الإعلاميين الدوليين 278، والمحليين 1915 إعلامياً.
وأعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق أن نسبة التصويت غير النهائية في الانتخابات التشريعية بلغت 60%، ولكن هذه النسبة لا تشمل كل المناطق وبالتالي فهي قابلة للتعديل.
إلا أن المتابعين يرون ان الرقم مرتفع نسبياً لا سيما في ظل الظروف الأمنية الصعبة بل الدموية التي جرت في ظلها تلك الانتخابات. حيث تم استهداف عدد من مراكز الاقتراع، ما ادى الى سقوط عشرات القتلى.
وشهدت الانتخابات ترتيبات جديدة من بينها استخدام الختم الإلكتروني والبطاقة الذكية. وفي كردستان حرم أكثر من 90% من المواطنين العرب – الساكنين في الإقليم أو النازحين إليه – من التصويت بسبب عدم تخصيص مراكز خاصة لهم. وأكدت شبكة حقوق الإنسان في الشرق الأوسط هذه النسبة، مشيرة إلى أن تعداد العرب الذين يحق لهم الانتخاب في الإقليم يربو على 30 ألفاً.
وفي إقليم كردستان جاء الإقبال على مراكز الاقتراع دون التوقعات، ففي أربيل تجاوز بالكاد حاجز 60%، وسط إجراءات جديدة طبقتها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات قللت إلى حد ما من سرعة الحركة والتصويت داخل أروقة مراكز الاقتراع.
وإلى جانب انتخابات مجلس النواب العراقي، صوت سكان محافظات كردستان العراق لانتخاب مجالس محافظات الإقليم الثلاث، وهي المرة الثانية من نوعها منذ عام 2003، ويتوقع أن تغير خريطة الحكومات المحلية في هذه المحافظات.


محافظة الانبار
من جهة أخرى، لم تشهد مدينتا الفلوجة في محافظة الأنبار والكرمة في غرب بغداد أي مظهر من مظاهر الانتخابات، وذلك بسبب خروج المدينتين وبعض أريافهما عن سيطرة الحكومة العراقية منذ أكثر من أربعة أشهر.
ولم تتمكن مفوضية الانتخابات من افتتاح مراكز انتخابية هناك، كما لم تتمكن الكيانات السياسية ومرشحوها من تنظيم دعاية انتخابية في الفلوجة والكرمة اللتين أعلن من لم ينزح من سكانهما مقاطعتهم للانتخابات. كما غابت مظاهر الانتخابات عن أحياء الحوز والملعب والضباط والأندلس وشارعي ستين وعشرين في الرمادي.
وستمثل الفترة المقبلة اختباراً لديمقراطية العراق، ولإمكانية تشكيل حكومة جامعة. فقد استغرق قبل سنوات تشكيل حكومة تسعة أشهر، بعد الانتخابات العامة الأخيرة التي جرت عام 2010 بينما كان عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين موجودين في العراق.
ويحذر البعض من أن تشكيل حكومة جديدة قد يستغرق عاماً. وستجري المفاوضات في الوقت الذي تستعر فيه المعارك في الأنبار وعلى مشارف بغداد مما يضيف مزيداً من الاضطراب للعملية.
ويعتبر مراقبون هذه الانتخابات استفتاءً على رئيس الوزراء نوري المالكي الذي يحكم البلاد منذ ثماني سنوات ويسعى لولاية ثالثة. ومن المتوقع أن يسعى المالكي لتكوين ائتلاف أقوى حول حكومة أغلبية. ويعتبر مراقبون هذه الانتخابات استفتاء على رئيس الوزراء نوري المالكي.
ورغم ما تشهده العديد من المناطق العراقية من تفجيرات واضطراب أمني، إضافة إلى ارتفاع البطالة وشكوى من سوء الخدمات وعلى رأسها انقطاع الكهرباء، بدت الانتخابات وكأنها تدور حول المالكي نفسه واحتمالات بقائه على رأس الحكومة.
فرغم إعلانه في شباط (فبراير) 2011 أنه سيكتفي بولايتين، عاد من جديد الى التأكيد على رغبته بالتجديد لولاية ثالثة.
وقال المالكي عقب الإدلاء بصوته في فندق «الرشيد» بالمنطقة الخضراء المحصنة في بغداد حيث أدلى قادة البلاد بأصواتهم، «فوزنا مؤكد ولكننا نترقب حجم الفوز».
ورأى أن شكل الحكومة المقبلة يتوقف على الانتخابات وعلى كثافة المشاركة فيها وعلى الاختيار، معرباً عن أمله بأن يحصل على نسبة نجاح تؤهله لتشكيل حكومة أغلبية.


الحكومة الجديدة
الى ذلك، تتقاطع التقديرات حول شخصية رئيس الحكومة الجديدة وشكلها، ففي الوقت الذي تميل تحليلات الى اعتبار ان المالكي هو صاحب الفرصة الاقوى في الفوز، هناك من يرى ان الامور تسير في الاتجاه المعاكس لهذه الفرضية.
وفي هذا السياق، هناك من يقرأ الملف من زاوية ان النتائج ستفرز تغييراً في هرم السلطة وهيكلية العملية السياسية وتشكيلة مجلس النواب الجديدة بسبب تحول اتجاهات الناخبين وعلاقة إيران بأوضاع العراق وسوريا، فيما توضح مؤشرات هذه النتائج إلى تقدم ائتلافي الحكيم والمالكي شيعياً والنجيفي سنياً والبرزاني كردياً.
وطبقا لذلك، تشير قراءات الى ان حظوظ المالكي لنيل ولاية ثالثة، يسعى اليها بقوة، ضعيفة. اما السبب في ذلك فيعود الى عاملين، اولهما داخلي يتمثل بالمزاج الشعبي العام الرافض للتجديد له. بما في ذلك الاطياف الشيعية. وثانيهما: ما يقال عن تخلي ايران عن دعمه، استجابة للعديد من الاطياف العراقية حيث المعلومات تؤكد ان جميع القوى السياسية رافضة للتجديد للمالكي في رئاسة الحكومة.
يضاف الى ذلك بعد آخر، يتمثل برغبة ايران في وضع حد لتعدد الملفات الخلافية التي تكون طرفاً فيها. وبالتالي هناك رغبة في حصر الاهتمام بطرف واحد والتركيز على دعم سوريا مرحلياً، خصوصاً وان المعلومات المتسربة من اروقة القرار العراقي تشير الى  ان اية شخصية قادمة الى الحكم لن تكون بعيدة عن الفلك الايراني.
وفي ضوء ذلك، هناك من يقرأ المؤشرات الاولية لنتائج الانتخابات بأنه من غير المستبعد ان تكون رئاسة الحكومة من نصيب أي من نائب رئيس الجمهورية السابق القيادي في المجلس الاعلى الاسلامي عادل عبد المهدي، ورئيس المؤتمر الوطني أحمد الجلبي، ورئيس الوزراء الاسبق زعيم القائمة الوطنية اياد علاوي.
وبالتوازي، تسربت معلومات عن نتائج اولية للتيارات الشيعية، تؤشر على ان ائتلافي المواطن بزعامة عمار الحكيم رئيس المجلس الاعلى ودولة القانون بزعامة نوري المالكي رئيس الوزراء يتصدران النتائج، فيما انكفأ التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر ثالثاً.
اما على المستوى السني فإن ائتلاف متحدون للاصلاح بزعامة رئيس مجلس النواب أسامة النجيفي فنال معظم الاصوات، تلته قائمة اياد علاوي زعيم القائمة الوطنية، وهو شيعي يصوت له السنة عادة، ثم صالح المطلك رئيس مجلس الحوار الوطني نائب رئيس الوزراء لشؤون الخدمات. ومن المفاجآت التي تشكل تطوراً في مواقف الناخبين العراقيين حصول الائتلاف المدني الديمقراطي، الذي يضم مرشحين شيوعيين وعلمانيين وليبراليين، على نتائج متقدمة لم تكن متوقعة.

حظوظ المالكي
وبحسب قراءات صحفية وسياسية سيبقى المالكي متقدماً من حيث عدد المقاعد، دون ان تكون له اغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة. ما يعني احتمالية اللجوء الى التحالف مع تيارات اخرى. الا ان اجماع تلك التيارات على التغيير، وعدم التجديد له يرفع من صعوبة المهمة. ويدفع بالمالكي الى استخدام اوراق اخرى من بينها الموازنة، لدفع بعض التيارات للتحالف معه. القراءات الاولية المتسربة تشير الى توقعات بان يحصل ائتلاف المالكي والمتحالفين معه على 67 مقعداً نيابياً،بينما يحصد ائتلاف الحكيم 48 مقعداً، وجماعة الصدر 31 مقعداً وائتلاف النجيفي 44 مقعداً وقائمة اياد علاوي 23 مقعداً وقائمة صالح المطلك 10 مقاعد والتحالف المدني الديمقراطي 11 مقعداً. وفي اقليم كردستان توضح المؤشرات الاولية حصول حزب البرزاني على 20 مقعداً وحركة التغيير 16 مقعداً وحزب طالباني 14 مقعداً من مجموع مقاعد البرلمان البالغة 328 مقعداً.
اما بالنسبة الى النتائج التي حصلت عليها الكتل بحسب المحافظات، فإن ائتلاف الحكيم متقدم في محافظات البصرة وذي قار والديوانية والمثنى وواسط. والتيار الصدري متقدم في ميسان وبغداد. والمالكي في الحلة وبغداد وكربلاء والتصويت الخاص للقوات المسلحة، وعلاوي في بغداد، والنجيفي في الموصل والانبار وطالباني في كركوك، والبرزاني في اربيل ودهوك، والتغيير في السليمانية.
وكان الحكيم أكد تقدمه في نتائج الانتخابات بعموم العراق، وقال في كلمة إلى الشعب العراقي مساء الاربعاء «أن بشائر انتصار ائتلافه بدأت تصل من معظم مناطق البلاد» مؤكداً أنه سيعمل بروح الفريق الواحد لخدمة العراق ومواطنيه.
وأضاف: «تنافسنا بقوة وكانت انضج واصعب انتخابات في تاريخ العراق الحديث». واضاف، انتهى التنافس وبدأ العمل، داعياً الى الاسراع باعلان نتائج الانتخابات «بدون تزوير أو تأخير». وقال، لقد اضاع العراق الكثير من الوقت الثمين.  واضاف، «اوصي كل الشركاء السياسيين بان يكونوا كباراً بحجم العراق ولنعمل معا كرجال دولة بعيداً عن الانانية والذاتية ونحترم ارادة الشعب واختياره».
من هنا، يمكن القول ان العملية الانتخابية دخلت في مرحلة غاية في الصعوبة، والتعقيد. لكنها محكومة بصبر وجلد السياسيين، الذين عليهم انتظار اسابيع عدة الى حين انتهاء النظر في مئات الطعون المقدمة من قبل الاطياف السياسية. وفي مرحلة لاحقة، وبعد اعلان النتائج رسمياً خوض معركة الاتصالات والمفاوضات وصولاً الى تشكيل حكومي، حيث تشير التوقعات الى تشبث المالكي بموقعه وبفرصته في تشكيل الحكومة من جديد. بينما يتشبث آخرون بفرصهم في ابعاد المالكي وتاسيس ائتلاف جديد يعتقد ان حظوظه ستكون صعبة بحكم الازعاجات التي ستواجههم مستقبلاً.
ويبقى الثقل الكردي هو الحاسم في هذه المسألة الخلافية. وخصوصاً في ظل الاوراق التي يمكن للمالكي ان يلعب بها، حتى في الوقت الضائع.

احمد الحسبان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق