رئيسيسياسة عربية

سيناء… بندقية برسم الايجار

الوضع في صحراء سيناء، عاد خلال الايام القليلة الماضية الى الواجهة مجدداً، اذ سجلت اشتباكات عدة بين المجموعات المسلحة المتغلغلة في هذه الصحراء الشاسعة، والتي تحاول ترسيخ موطىء قدم ثابت لها في عمق رمال هذه المنطقة المترامية من جهة، ووحدات من القوات الامنية المصرية بدأت تتحرك وفق خطة ترمي الى توجيه ضربة موجعة الى هذه المجموعات من جهة اخرى.

مشهد الاحتكاكات ليس مفاجئاً، فهو اوشك ان يكون سمة من سمات الحياة في هذه البقعة من الارض التابعة عملياً للسيادة المصرية، لكنها في شكل من الاشكال تكاد تخرج عنها وتؤسس لنفسها وضعاً خاصاً قابلاً للاشتعال.
لكن الثابت والواضح انه منذ التطورات والتحولات الاخيرة والمتسارعة في القاهرة والتي كانت ذروتها عزل الرئيس المصري محمد مرسي وامساك العسكر بزمام السلطة ومقاليد الامور مجدداً وانقسام العاصمة المصرية الى ساحتين متواجهتين، برزت اخيراً جملة وقائع ميدانية ومعطيات سياسية فرضت نفسها على وقائع شبه الجزيرة التي تنطوي على عناصر وعوامل خطيرة جداً، وخصوصاً على مستقبل الوضع في مصر وفي المنطقة عموماً.
بداية القضية هذه المرة انباء ذكرت ان طائرة مروحية اطلقت صواريخها ونيران رشاشاتها على مجموعة مسلحة كانت تعتزم اطلاق صواريخ مما ادى الى مقتل عدد من المسلحين.
وفي حين اعلنت جماعة مجهولة تطلق على نفسها اسم «جماعة بيت المقدس – سيناء» ان هذه المجموعة تابعة لها، وكانت تعتزم اطلاق صواريخها على اهداف اسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وان المروحية التي قصفتها تابعة لاسرائيل، وذكرت السلطات المصرية ان المجموعة المسلحة كانت في صدد اطلاق صواريخها على اهداف مصرية وان المروحية التي قصفتهم تابعة للقوات الجوية المصرية.

وضع متفاقم
هذا الامر بقي طي الغموض والالتباس والتكهن، ولن تنجلي بسهولة ملابساته لمعرفة حقيقته، الا ان المهم بالنسبة الى المراقبين لم يعد الحادث بحد ذاته بقدر ما هو حقيقة الوضع المتفاقم في القسم الاسيوي من مصر، الرابض على مثلث بالغ الخطورة والدقة وعلاقة هذا الوضع بمجريات الاوضاع والتطورات الدراماتيكية المتسارعة على الساحة المصرية والمفتوحة على كل الاحتمالات الحالكة.
فمنذ انزياح نظام حسني مبارك عن سدة السلطة في الانتفاضة الشعبية التي جرت في مصر قبل اكثر من عامين، اتجهت الانظار مراراً الى صحراء سيناء باعتبارها ميداناً لمفاجآت امنية عدة، وخصوصاً بعد سلسلة احداث وتطورات واعمال ارهابية بالغة الخطورة، ابرزها الهجوم على دورية عسكرية مصرية في آب(اغسطس) عام 2012، والتي ذهب ضحيتها اكثر من 20 عنصراً امنياً، وعشرات الجرحى، اضافة الى هجمات اخرى مماثلة جرت في انحاء مختلفة من هذه الصحراء، فضلاً عن حادث خطف عناصر امنية مصرية اطلقوا بعد مفاوضات جرت بين السلطات الامنية المصرية والخاطفين بدت معها السلطة المصرية وكأنها انصاعت لمطالب الخاطفين او انها ابرمت تفاهماً سرياً معهم يقضي بعدم قيام القاهرة بأي عمل عسكري واسع النطاق يحول دون تغيير في المعادلات الامنية التي سبق ان ارستها هذه المجموعات السلفية – الاسلامية في انحاء مختلفة من صحراء سيناء على مدى الاعوام الماضية والتي جعلتها بشكل او بآخر مسرحاً مريحاً لكل تحركاتهم وانشطتهم سواء المتعلقة بتهريب السلاح او تخزينه او تخبئة القيادات والكوادر المطلوبة الهاربة، ساعدهم على ذلك ضعف الراصد الامني المصري الرسمي بفعل مندرجات اتفاقية كامب ديفيد المبرمة منذ اواخر عقد السبعينيات من القرن الماضي بين القاهرة وتل ابيب.
وعليه، فإن ثمة معلومات سرت، خصوصاً في الآونة الاخيرة وبالتحديد بعد عزل الرئيس محمد مرسي، جوهرها ان الرئيس الذي دفع به الى الرئاسة الاولى تنظيم «الاخوان المسلمين» سمح خلال الفترة القصيرة من حكمه، بتحويل صحراء سيناء الى حديقة تتحرك فيها المجموعات الاسلامية – السلفية والجهادية بحرية كبيرة.
 


مخزن احتياط
واكثر من ذلك، فإن خصوم نظام مرسي المعزول في القاهرة بدأوا يتحدثون بكل صراحة عن ان مرسي امن انتقال رموز ومجموعات اسلامية – جهادية مصرية الى سيناء وابرزهم محمد موافي ومحمد الظواهري وذلك بغية جعل هذه الصحراء «مخزن احتياط» لكل الجهاديين في العالم.
وذكر هؤلاء ايضاً بأنه تم استحضار اكثر من ثلاثة آلاف جهادي – سلفي من انحاء العالم خلال السنة الماضية بشكل او بآخر الى سيناء.
وبصرف النظر عن دقة هذه المعلومات، فإن الثابت ان وضع الاسلاميين – الجهاديين في شبه جزيرة سيناء ازداد توسعاً وحضوراً خلال الاشهر القليلة الماضية في انحاء متفرقة من سيناء، وخصوصاً في المناطق الجبلية الوعرة منها والتي يصعب على القوى الامنية اختراقها بسهولة، اذا ما شاءت ذلك.
وبناء على كل هذه المعطيات والوقائع الميدانية، فإن الحاكمين الجدد في مصر وشخصهم القوي اي وزير الدفاع السيسي ولّوا انظارهم منذ لحظة عزلهم مرسي وامساكهم بمقاليد السلطة نحو سيناء، وبدأوا تنفيذ سلسلة تدابير واجراءات امنية مشددة فيها بعدما دفعوا بالعديد من قواتهم اليها، وذلك ضمن العدد المسموح بموجب اتفاقية كامب ديفيد.
اضافة الى ذلك، بدأ النظام الجديد في القاهرة، كما هو معلوم بردم الانفاق الممتدة بين صحراء سيناء وغزة وقطاعها، بعدما اقفل معبر رفح لوقت طويل. ولم يكن الهدف على وجه التحديد حركة «حماس» من خلال هذه الاجراءات المشددة، بل مجموعات سلفية – جهادية بات لها حضورها القوي في غزة وقطاعها، ولها علاقات تنسيقية وثقى وقديمة مع المجموعات المسلحة الجهادية المنتشرة في صحراء سيناء، وبالتالي قطع سبل تواصلها المرئية وغير المرئية بينها.

هواجس من المستقبل
وحسب تحليلات العارفين ببواطن الامور في صحراء سيناء، فإن الحاكمين الجدد في القاهرة يتوجسون وتنتابهم الهواجس من مستقبل الوضع في صحراء سيناء وبالتحديد من ان يكون هذا الوضع بمثابة الخاصرة الرخوة التي يضغط عبرها الاسلاميون على اختلاف انواعهم وتنظيماتهم لدعم «الاخوان المسلمين» في مصر والعمل لانقاذهم من محنتهم الحالية او تحسين شروطهم.
ولم يطل الامر حتى اثبتت الاحداث والتطورات الامنية الاخيرة ومنها حادثة مقتل العناصر الاربعة صحة مخاوف الحاكمين الجدد في القاهرة، وصدق هواجسهم من وجود خلايا نائمة ومجموعات جاهزة وغب الطلب بغية التحرك عند تحديد ساعة الصفر، لاثبات ان الجزء الاسيوي من مصر، هو تحت سيطرة الاسلاميين وخارج سيطرة الدولة والعسكر المصري.
وبناء عليه، فإن السؤال المطروح هو: ماذا تخبىء صحراء سيناء في الايام المقبلة؟ واستطراداً ماذا عن سكان هذه المنطقة الاصليين ولا سيما العشائر البدوية ولمن ولاؤهم الحقيقي الان وهل فعلاً ما زالوا كما عهدوا دائماً على ولائهم للنظام في مصر بغض النظر عن شكل هذا النظام، ام ان بعد النظام عنهم في السابق واهمال الدولة التام لمناطقهم قد جعلاهم بمثابة بندقية برسم الايجار؟
ومما زاد في حدة طرح هذا السؤال هو ان المسلحين الاربعة الذين قتلوا اخيراً في نهاية الاسبوع الماضي في غارة جوية، تبين انهم من ابناء اكبر قبيلتين بدويتين في صحراء سيناء وتبين ايضاً انهم ينضوون تحت لواء تنظيم «القاعدة» وقد كفنوا بأعلام ورايات هذا التنظيم التي صارت معروفة لكثرة ما ظهرت في وسائل الاعلام وفي ساحات متعددة.
اندفاعة الحاكمين الجدد في العاصمة المصرية نحو صحراء سيناء واستحواذها على قسم من جهود الدولة المصرية وقواتها، قوبلت بمعارضة من داخل اوساط المعارضين بشراسة لحكم «الاخوان المسلمين» والمطالبين بحكم جديد، انطلاقاً من اعتبارين اثنين.
الاول: ان تنظيم الاخوان وحلفاءه من الاسلاميين هم الذين يريدون جر رمال النظام الجديد في القاهرة، الى رمال صحراء سيناء للغرق فيها، لان ما من قوة دخلت الى هذه البقعة الجافة والحارة، الا وتخبطت فيها وعانت من اثار وتداعيات الهزيمة نظراً لصعوبة وضعها الجغرافي والمناخي.
الثاني: ان القبض على زمام الوضع في سيناء لا يؤمن بالضرورة فوزاً او يضيف عنصر قوة جديداً للذي يعتقد نفسه منتصراً.
فسيناء كانت على الدوام عنصر ضعف لمصر، بل لم تكن في اي مرحلة من مراحل التاريخ المصري المعاصر تعتبر في كنف القاهرة، وان القاهرة اولتها اهتماماً في ما عدا اطرافها التي صارت مع مرور الايام منتجعات سياحية مثل شرم الشيخ وطابا ومناطق اخرى محدودة.
لذا فإن ثمة من يعتبر ان التركيز على سيناء وتوجيه القوى الى هناك مضيعة للوقت وغرقاً في متاهة بلا نهاية.
ومع ذلك كله، فإنه اذا ما استمر الوضع على حاله من التوازن وعدم الحسم بين الساحات والميادين المتعارضة والمتصارعة في القاهرة، فإن ثمة من يتوقع ان تكون صحراء سيناء ميدان المواجهة الاحتياطي والضغط المتبادل بين الطرفين، اي بين نظام السيسي ومعارضيه، وهو امر يعني بشكل او بآخر مزيداً من المواجهات ومزيداً من المفاجآت المتفجرة.

ا. ب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق