لقاء

كابي لطيف: قدري أن أكون في لبنان… شبعت غربة

قالوا «كابي لطيف في بيروت». وهل ثمة تردد في ملاقاة هذا الوجه الاعلامي الساحر الذي اشتقنا الى صوته وخبراته؟ في حضورها وهج ما يأسرك وينقلك من حيث لا تدري الى زمن الأبيض والأسود حيث كان للأصالة الاعلامية مساحة ولتلفزيون لبنان واذاعة بيروت كل العز. حنينها الى «بيروت» لم يخفت، لكن مجرد أن تطأ كابي لطيف مسرح طفولتها ومراهقتها وشبابها الذي تفتح مع أزيز القذائف، تخلع عنها رداء المهنة وتعود تلك المراهقة العاشقة لعاصمة لم تخلع يوماً رداءها. من فندق «لو غبريال» في منطقة الأشرفية حيث أقامت كابي لطيف أثناء زيارتها لبنان، كان هذا اللقاء الآسر كما صوتها الاذاعي…

عشقها للوطن لا يوازيه عشق. مع ذلك تراها تعيش الغربة من دون ان تغفل مناسبة على الوطن الذي احبته حتى المسامحة. في زيارتها الأخيرة كانت المفكرة مليئة بمواعيد وطاولات مستديرة: وزير الثقافة غابي ليون، وزير الاعلام وليد الداعوق، شخصيات سياسية وفكرية… ولأن الوطن كان وسيبقى الهاجس الأول في مسيرة حياتها المهنية وحتى الشخصية، كان لبنان الفرح والحياة هو العنوان لسلسلة حلقات إذاعية تبث خلال موسم الصيف عبر إذاعة «مونت كارلو الدولية»:
واضح أن علاقتك بالوطن مميزة، مع ذلك تصرين على الغربة التي تعترفين بأنها صارت متلازمة وحياتك، لماذا؟
هذا هو السؤال الأبدي الذي أطرحه على نفسي. فأنا ولدت في بيروت، وبدأت مسيرتي المهنية فيها. ولم أتصور يوماً أنني سأصبح الصوت البعيد الذي يصدح من خارج حدود هذا الوطن. لكن لبنان بلدي ومكانته في قلبي وذاكرتي غير عادية، تماماً كما قدر أبنائه.

وراء الحلم
وحدها الحرب كانت الدافع لمغادرة الوطن غير العادي؟
نعم. تركت لبنان حتى أرتاح بعدما عشت 11 عاماً من الحرب، قضيتها تحت القصف وأزيز الرصاص والقذائف. يومها انتقضت على الواقع وتمردت عليه من خلال المواظبة على العمل في تلفزيون لبنان وإذاعة بيروت والجامعة، وقررت أن اعيش الحياة وفق الخط الذي كان مقدراً ومرسوماً لي في بيروت. وما يحز في قلبي أنني لم أتعرف إلى خصوصية هذه المدينة إلا بعدما غادرتها بسبب الحرب التي أرهقتني منذ بداية حياتي المهنية، إضافة إلى الحلم في تحصيل شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون والذي كان الحافز الأكبر لمغادرة الوطن الذي احب  وأعشق.
وما هو الحافز الذي دفعك إلى احتراف الغربة؟
عندما استمرت الحرب قررت البقاء في الخارج. لكن الحافز الأهم كان في دخولي إذاعة «مونت كارلو الدولية» هناك تفتحت أوراقي واكتشفت ذاتي بعدما حضنتني وساعدتني على نسج خيوطي من خلال التواصل مع المغتربين الذين حفروا بصماتهم في كل المجالات. من هنا أعتبر أن هذه الإذاعة شكلت حالة طموح ومساحة إعلامية كبيرة لكنها ليست قدراً.
القدر رسم مسار حياتك وأعطاك الكثير من الفرص للتواصل مع العالم وتظهير وجه بيروت ملتقى الثقافات. لكن الغربة لازمتك لماذا؟
الغربة حليفي الأبدي في المكان والزمان. فهذا الوطن المسمى لبنان يعيش في خلايا جسمي وروحي. وحيثما أكون أحمله معي. وكل موجة تصيبه تطاولني بشظاياها، سلبية كانت أم إيجابية.
إلى أي مدى ساهم المشهد العربي عموماً واللبناني تحديداً الموجود في باريس في طرد شبح الغربة؟
صحيح في باريس هناك مشهد عربي ثقافي لافت وكل يوم هناك نشاط فكري أو ثقافي لبناني ونحن نسلط الضوء عليه لإيصاله إلى كل أصقاع العالم.
تعتبرين أنه لم يعد من إعلام حر في لبنان؟
الإعلام مسيس لأن غالبية الوسائل تابعة لجهات سياسية أو حزبية معينة. لكن الخيارات مفتوحة أمام الإعلاميين. وعلى رغم هذا الإنقسام الحاد لا يزال الإعلام اللبناني يشكل منارة إعلامية من دون منازع.
لكنه ينعكس سلباً على الشاشات خصوصاً في البرامج السياسية والتوك شو؟
لا يختلف اثنان على أن الوضع في لبنان غير طبيعي وصعب، سواء على الإعلاميين أو المثقفين وحتى على السياسيين، لكن اللافت هذا الفلتان الذي نشاهده في برامج المناظرات السياسية، لا أعرف لماذا وصلنا إلى هذا المستوى؟ علماً بأنه يمكن إيصال مطلق أية رسالة من دون التجريح بالآخر. وإذا عدنا إلى الصالة نكتشف أننا في غنى عن هذا الأسلوب الذي لا يمت إلى ثقافتنا بصلة.

عودة تلفزيون لبنان
أين تكمن المهنية برأيك في ظل الإعلام الإلكتروني وهل لا يزال للمصداقية مساحة في الخبر الإعلامي؟
المهنية موجودة بدليل أن هناك الكثير من مراسلات الحرب والمراسلين الذين ينزلون إلى ساحات المعارك لنقل الخبر من دون خوف. أما مصداقية الخبر فنسبية لأن الإعلام مسيس. من هنا يفترض أن يكون هناك إعلام وطني وموضوعي وهذا لن يتحقق إلا من خلال عودة تلفزيون لبنان الذي أُطفئت شمعته وأقُفل بابه، ومتى استعيد دوره يخفت دور القنوات السياسية.
تتكلمين بشغف عن تلفزيون لبنان؟
طبعاً فهذا التلفزيون الذي أشرق منه نجم ليلى رستم التي جاءت من مصر لإرساء قواعد الحوار الإعلامي في الشرق، ورسم فيه العديد من الإعلاميين خريطة تاريخ الإعلام، أذكر منهم الراحل الكبير رياض شرارة، وجان خوري وعادل مالك ونهى الخطيب سعاده وشارلوت وازن الخوري وجاندارك أبو زيد وكميل منسى وآخرين، ساهموا بطريقة ما في ترسيخ نموذج الإعلام الموضوعي.
وكأنك تتحسرين على زمن الأسود والأبيض؟
طبعاً. فتلفزيون لبنان هو شهيد الوطن وأخشى الا يعود في ظل تقاعس الحكومات المتعاقبة عن إعادة الضوء إلى هذا الصرح الإعلامي الكبير.
أين يكمن دور الإعلامي في مرحلة الحروب والصراعات؟
يلعب الإعلامي دوراً كبيراً في ترسيخ السلم الأهلي أو زعزعته. من هنا عليه أن يكون موضوعياً ومتيقظاً لما يصدر عنه. والكل يعلم اليوم أن البلد يمر في مرحلة دقيقة وحرجة والمطلوب تهدئة النفوس وليس إثارة الغرائز.

قصص حب أكتبها بالحبر الأسود
هل من مكانة للقلم في حياتك المهنية بعدما انخرطت في مجال الإعلام العصري والإلكتروني؟
في إذاعة «مونت كارلو الدولية» نخضع لتدريبات دورية على وسائل الإتصال الحديثة. وأعترف بأنني انخرطت في هذا العالم إلى درجة أنني ما عدت قادرة على أن أمسك بالقلم باستثناء قصص الحب التي أصر على أن أكتبها بالحبر الأسود، والباقي أدونه بواسطة جهاز الكومبيوتر.
وهل كتبت الكثير منها؟
الحب حالة مستمرة في حياتي، ولا أقومه بالأرقام.
هل اندثرت علاقتك مع رائحة ورق الجرائد والكتب؟
أنا مدمنة على قراءة الكتب وأعشق ملامسة ورق الجريدة. لكن علاقتي مع شاشة الكومبيوتر مميزة وأتفاعل معها بانسياب لأنها تسهل مهمتي في الكتابة وتذكرني بشاشة التلفزيون.
من يحتل الجزء الأكبر من مساحة الحنين في ذاكرتك؟
حنيني الأول والأخير إلى مدينتي بيروت ولبنان وتلفزيون لبنان وإذاعة بيروت وصوت لبنان والجمهور الذي عزز ثقتي بنفسي لأكمل المشوار.

تفاجئني «معلقات» نشرات الاخبار
وماذا عن الحنين إلى أصالة اللغة الإعلامية؟
ما يدهشني ويفاجئني اليوم هو هذه «المعلّقات» المعتمدة في مقدمات نشرات الأخبار. وهذا غير وارد في مفهوم الإعلام المرئي. أما في ما يتعلق باللغة فالزمن تغير وهناك الحلو والمر والوسط.
تقولين رزق الله على ايام الأسود والأبيض؟
أبداً. فلكل لحظة وهجها المضيء والجميل وأنا لست من «الماضيين» وإن كنت أعتبر أن  تلك المرحلة كانت ذهبية وكان لي الحظ في أن أكون من ضمن الفريق الذي أضاء مرحلة الإعلام المرئي في ذلك العصر. أما اليوم فأعترف بأن باريس أعطتني الكثير وتحديداً إذاعة مونت كارلو الدولية التي صقلت ونشرت ما حملت من بيروت إلى العالمين العربي والأوروبي. ولا أخشى القول بأنني محظوظة جداً.
«أنتَ من لبنان وإلى لبنان تعود» جملة لازمتك بعدما أطلقتها في إحدى المناسبات. فمتى ستترجمينها فعلاً؟
من هنا وعبر صفحات مجلتكم أعلن أن عودتي إلى لبنان حتمية لكن ليس قبل إنهاء العقد الموقع مع إذاعة «مونت كارلو الدولية». سأعود لأستمتع بوطني وسط أهلي وأصدقائي مهما كانت الظروف والأوضاع الأمنية لأن قدري أن أكون في لبنان. شبعت غربة.
ألا تفكرين في جمع تاريخك الإعلامي الذي يضم سلسلة طويلة من اللقاءات مع كبار الشخصيات الفكرية والسياسية والثقافية في كتاب؟
في هذه الزيارة أجريت لقاءات عدة وستذاع خلال الصيف عبر إذاعة مونت كارلو. أما أرشيفي فسأجمعه لأضع هذه التجربة بين أيدي الأجيال الطالعة.

جومانا نصر

العدد ٢٨٠٧ الاثنين٢٩ تموز (يوليو) ٢٠١٣ /٢٠ رمضان ١٤٣٤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق