سياسة لبنانيةلبنانيات

التيار الوطني الحر يستخدم سلاح الثلث المعطل لمنع ميقاتي من جمع مجلس الوزراء

فيما كان مجلس الوزراء يستعد لعقد جلسة استثنائية حتمتها الضرورة التي تتعلق بالاستشفاء ومرضى غسيل الكلي، وبصورة مفاجئة صدر بيان من تسعة وزراء يعلنون فيه انهم لا يقبلون بعقد جلسة لمجلس الوزراء لعدم شرعيتها وان هناك وسائل دستورية لتأمين المال للمستشفيات، فان صح ما جاء في البيان وغاب الوزراء التسعة فهذا يعني ان نصاب الثلثين لم يعد مؤمناً، ولكن مصادر الرئيس نجيب ميقاتي تؤكد ان الجلسة ستعقد وليتحمل كل وزير مسؤوليته. فكيف سينتهي هذا الكباش الذي يرفع نسبة الانهيار للدولة وللمؤسسات، وهل ستعقد الجلسة ام ينجح معارضوها في تعطيلها. لقد اصبح واضحاً ان القضية لا تتعلق بالدستور والقوانين بل هي نتيجة كباش وتحد، فمن سيكون المنتصر على حساب البلد والمواطنين؟ يبقى انتظار الساعات المقبلة لمعرفة مصير الجلسة، رغم ان مصادر الرئيس ميقاتي تقول يجب انتظار الاتصالات الجارية، والتي ستنجح في حل المشكلة. يبقى القول ان الوزراء التسعة هم وزراء الرئيس عون ووزراء التيار الوطني الحر وهذا يعكس الخلاف المدمر بين الرئيس ميقاتي وجبران باسيل. المهم ان التيار وبالتحديد رئيسه جبران باسيل كان دائماً يسعى لنيل الثلث المعطل، لانه سلاح يستخدمه ساعة يشاء وهذا ما حصل اليوم. فكيف تطورت الامور حتى وصلت الى هذا الحد؟
كان من المتوقع ان يعقد مجلس الوزراء اليوم جلسة استثنائية على جدول اعمالها 65 بنداً في مقدمتها القضية الاستشفائية، بعدما هددت المستشفيات بعدم استقبال المرضى على نفقة وزارة الصحة، كما تهدد مرضى غسيل الكلي. ولكن هل ان البنود الاخرى كلها تحمل طابع الضرورة، ام ان الحكومة كانت تحاول تمريرها، تحت هذه التسميات؟ ثم هل ان هذه الجلسة دستورية كما يدعي رئيس الحكومة، ام انها غير دستورية كما يقول معارضوها؟ في الحقيقة النصوص الدستورية، لا تتطرق الى هذا الامر، وهذه اول مرة يصدف ان تتولى حكومة تصريف اعمال سلطات رئيس الجمهورية، ولكن المنطق يفرض ان تكون كاملة الصلاحيات لتصبح مؤهلة لهذه المهمة، وفق الدستور. غير انه عندما يتعلق الامر بصحة المواطن، تسقط كل الموانع. ازاء هذا الجدل القائم، تراجع الرئيس نجيب ميقاتي عن بعض بنود جدول الاعمال، وخفضها الى نحو 25 بنداً، ليخفف من وطأة الاحتجاجات. وقال انه استطاع ان يؤمن اكثر من ثلثي عدد الوزراء لحضور الجلسة. اما وزراء التيار الوطني الحر فكان واضحاً ان اكثريتهم وربما كلهم لن يحضروا، وقد تكثفت الاتصالات حتى موعد انعقاد الجلسة لتخفيف الاضرار قدر الامكان. وعلم ن وزراء الثنائي الشيعي امل وحزب الله سيحضرون الجلسة. وسط هذه الانقسامات، لا بد من طرح بعض الاسئلة التي تتعلق بالحكومة ومعارضيها على حد سواء. ان حكومة اطلقت على نفسها اسم حكومة الانقاذ، لم تحقق انجازاً واحداً يخدم المصلحة الوطنية ويخدم المواطنين، يوم كانت تتمتع بكامل الصلاحيات، وبثقة المجلس النيابي، فهل هي قادرة على الانجاز اليوم؟ فلا الاصلاح تحقق، ولا الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، ولا غير ذلك وسنعود الى تعداد تقاعسها وعدم انتاجيتها. ولكننا نسأل اليس من اوصل لبنان الى هذا الوضع المرتبك، والى تسليم مقاليد الحكم الى حكومة تصريف الاعمال، هم انفسهم الذين يعارضونها اليوم. اليس تشبث هذا الفريق المعارض، بتشكيل حكومة يكون هو المهيمن عليها ليبقى ممسكاً بالسلطة، هو الذي حال دون ذلك، وبقيت حكومة تصريف الاعمال متربعة على عرش السلطة؟ فان كانت هناك من ملامة فليسقطها على نفسه ويتحمل المسؤولية. فكفى استخفافاً بعقول الناس، ليأتي اليوم ويظهر غيرة على المصلحة والدستور.
والاخطاء السياسية التي ترتكبها هذه المنظومة وهي مستمرة في سياستها، تكاد تكون يومية. فنحن مثلاً نشهد تقارباً اليوم بين التيارين المسيحيين الكبيرين، وموقفهما واحد من الحكومة، ودائماً ليس من اجل المصلحة العامة. ألم نتعلم مما تسبب به اتفاق معراب من دمار للبلد، حتى نعود ونكرر الخطأ نفسه؟ ان التقارب بين التيارين المسيحيين سيكون موضع ترحيب عارم لو ان التفاهم بينهما هو على انتخاب رئيس للجمهورية، يكون بعيداً عن المنظومة السياسية كلها، دون استثناء، ويتمتع بالكفاءة والقدرة والموقف السيادي الحاسم. وفيما عدا ذلك، فانه يبقى من اجل مصالح خاصة. ان البلد بحاجة الى سلطة فاعلة لا يمكن تأمينها الا عبر المؤسسات الرسمية من رئاسة الجمهورية الى الحكومة فالمجلس النيابي وخصوصاً هذا المجلس الذي تخلى عن المهمة، الموكلة اليه من الدستور، وهو يرفض اليوم انتخاب رئيس للبلاد، متنكراً للبنانيين الذين انتخبوه وهو يؤكد يوماً بعد يوم ان ولاءه للاطراف السياسية اكثر منها للوطن. يوم الخميس يعقد المجلس النيابي اياه جلسة تاسعة لانتخاب رئيس للجمهورية، فلماذا لا تكون الاخيرة ويتم خلالها انتخاب الرئيس المنشود الذي ينتظره الناس. ولكن المؤشرات تدل على ان هذه الجلسة لن تختلف عن سابقتها.
نعود الى حكومة الانقاذ فنقول انه لم يسبق للبنان ان شهد حكومة دمرت القدرة الشرائية للمواطن بهذا القدر، من كثرة ما ارهقته بالرسوم والضرائب، حتى فاقت كل تصور. من الدولار الجمركي وانعكاساته القاتلة، والرسم والضرائب التي رتبتها موازنة 2022 من TVA وزيادات لا حصر لها، وفي كل يوم تتكشف مصائب جديدة تتضمنها هذه الموازنة. الى جانب تعرفة الكهرباء التي تسقط كل اعبائها على فريق من اللبنانين دون ان تتمكن الحكومة من منع التعدي على الشبكة وحمل الكل على الدفع، كل ذلك حصل ودون زيادة ساعة واحدة على التغذية بالتيار، لا بل على العكس تراجعت وحلت العتمة شبه الشاملة. وما يقال عن الكهرباء ينطبق على الاتصالات والمياه، والدواء والاستشفاء وغيرها وغيرها. والمطلوب ان تتخلى عن تسمية «الانقاذ». بل تستبدل بها «تدمير المواطن». ان فرض الضرائب لا يتم عشوائياً، بل يأتي نتيجة دراسة معمقة تراعي قدرة المواطن على التحمل. اما في لبنان فلا وجود لذلك ولا مراعاة لامكانيات المواطن التي اصبحت على الحضيض. اعان الله اللبنانيين على هكذا منظومة تقتل شعبها في كل يوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق