سياسة لبنانية

سامي الجميل مراجعة حسابات

تسلم الشيخ سامي الجميل رئاسة حزب الكتائب في ظروف صعبة وبطريقة استثنائية. فقد كان انتقال الرئاسة وسلطة القرار أشبه بعملية تسلم وتسليم بين الأب (الرئيس أمين الجميل) والابن، وكان الأمر أقرب الى عملية «توريث سياسي حي» ومبكر، بمعنى أن الانتقال الهادىء والسلس حصل على أيام الرئيس الجميل ولم ينتظر غيابه، مثلما أن النائب سامي الجميل حرق المراحل واستعجل عملية الاستحواذ على قيادة حزب الكتائب، في حين أن «عمليات توريث وانتقال» أخرى تتم بوتيرة بطيئة وطريقة متأنية كما هو الحال مع تيمور وليد جنبلاط الذي ما زال يمضي فترة من التدريب المكثف في موازاة صعود متدرج على سلم القيادة، وأيضاً مع طوني سليمان فرنجية الذي سيكون عليه اجتياز عتبة الانتخابات النيابية ومعرفة المصير الرئاسي لوالده قبل ولوج مرحلة القيادة وتولي رئاسة تيار المردة.
شكل وصول سامي الجميل الى رئاسة الكتائب اختراقاً للخريطة السياسية المسيحية «المترهلة» وتدشيناً لمرحلة القيادات الشابة المنتمية الى جيل ما بعد الحرب، كما أعطى حزب الكتائب فرصة الخروج من حال «العجز والمراوحة» عبر ضخ دم جديد وإعطاء دور وحيّز أكبر لجيل الشباب على حساب «الحرس القديم». وفي الواقع، فإنه مع تسلم سامي الجميل رئاسة الكتائب برز رهان قوي على نقلة نوعية سيشهدها هذا الحزب وتوسم الكتائبيون وحلفاؤهم خيراً بهذا التغيير الذي سيضفي حيوية وتجدداً. واكتسب هذا الرهان دفعاً وصدقية إثر تطورين: الأول تنظيمي عندما أقلعت عملية إعادة بناء الحزب من القاعدة الى رأس الهرم وسط إقبال من الشباب وإحياء حركة الانتسابات بعد طول توقف… والثاني سياسي عندما دخل حزب الكتائب الى الحكومة مع ثلاثة وزراء وبحجم استثنائي لا يتناسب مع حجمه النيابي (5 نواب). وحصل ذلك عن طريق الصدفة والحظ. فمن جهة استفاد حزب الكتائب من «فراغ» القوات اللبنانية التي اختارت عدم المشاركة في الحكومة، ومن جهة أخرى فإن الحكومة التي شكلت على أساس أنها انتقالية وتنتهي مع انتخاب رئيس للجمهورية، كانت الحكومة الأطول عمراً في تاريخ الحكومات وأعطت مكوّناتها وجوداً مديداً ومستقراً، وأعطت كل مكوّن في ظل الشغور الرئاسي قيمة ومكانة استثنائية.
رغم هذه «الحوافز والمكتسبات»، شهد حزب الكتائب سلسلة إخفاقات ونكسات هي حسب الترتيب الزمني:
1- التعاطي مع اتفاق القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر (اتفاق معراب) بحذر شديد يلامس «السلبية». فقد تعاطى حزب الكتائب مع هذا التطور المسيحي بطريقة دلت على أنه فوجىء به ولم يتوقعه ولم يكن جاهزاً للتعاطي مع وضع جديد أحرجه وحشره في زاوية ضيقة. فمن جهة هو غير قادر على التصدي لعملية مصالحة مسيحية ترفد المسيحيين بقوة تأثير وحضور في المعادلة، ومن جهة أخرى هو غير قادر على الانضمام و«الذوبان» في وضع غير منسق معه… وفي النهاية اختار الجميل الابتعاد عن هذه الثنائية والتشكيك بتمثيلها المسيحي (استناداً الى نتائج الانتخابات البلدية) وبجدواها السياسية الى حد تحميلها مسؤولية استمرار الفراغ الرئاسي الذي لا يملأه إلا الرئيس التوافقي.
2- الاستقالة من الحكومة وخسارة موقع أساسي في السلطة وحجم استثنائي في السياسة. وهذه الاستقالة أحدثت اهتزازات في حزب الكتائب ولم تؤثر على الحكومة، ولم يكن لها من مفعول شعبي، كما لم يكن لها قيمة سياسية، إذ ظهر أن حزب الكتائب الذي قدم استقالة مجانية لم يكن يملك «خطة ب» ولم يقدم «الخطوة التالية» لتقف الأمور عند هذا الحد.
3- الخوض في ملف النفايات من دون التحضير مسبقاً لكل الاحتمالات والبدائل، وهذا ما أوصل الى نتائج عكسية. فحزب الكتائب الذي قاد لوحده المطالبة بإقفال مكب برج حمود تحقق له ما أراد ولكنه وجد نفسه منتقلاً من الهجوم الى الدفاع ومعنيا برد التهم عنه، إذ يجري تحميله مسؤولية عودة النفايات الى الشارع، ويؤخذ عليه أنه تأخر في تحركه الذي كان يجب أن يبدأ من مجلس الوزراء.
من الواضح أن حزب الكتائب في ظل رئاسة سامي الجميل تعرض لنكسات وإخفاقات مبكرة كان في غنى عنها وهو ما زال في مرحلة «الإقلاع»… وبغض النظر عن أسباب ما حصل وما إذا كان الأمر يتعلق بخطأ في التقدير، أو بقلة خبرة وتمرس وتجربة، أو بفريق عمل سياسي غير محترف، أو بضياع وتخبط في تحديد شخصية الحزب الضائع بين الطبقة السياسية الحاكمة التي يتمرد عليها والحراك المدني الذي يجد نفسه متماهياً ومتناغماً معه… بغض النظر عن الأسباب، هناك النتيجة التي تدفع برئيس حزب الكتائب سامي الجميل الى إجراء مراجعة شاملة في السياسات والحسابات…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق