سياسة لبنانية

المسار السياسي في أيلول «الحافل»: الحوار والحكومة والرئاسة

يحفل شهر أيلول (سبتمبر) بمواعيد وأجندة اجتماعات وحركة سياسية بعد انتهاء الإجازة الصيفية. اليوم جولة جديدة من الحوار الوطني تليها جلسة انتخاب جديد لرئيس الجمهورية وجلسة لمجلس الوزراء في ظل مقاطعة وزراء التيار الوطني الحر، وبعد ذلك استئناف الحوار الثنائي بين المستقبل وحزب الله رغم كل المشادات والتوترات الكلامية… ويجري كل ذلك على إيقاع حركة دولية ناشطة تبدأ من قمة مجموعة العشرين وتنتهي باجتماعات ولقاءات الأمم المتحدة…

رغم كل هذه الحركة «الضاغطة»، لا مؤشرات على حدوث اختراق في الملف الرئاسي والى إحراز تقدم في عملية الحوار… وهذه الخلاصة غير المشجعة يمكن تفنيدها وتفصيلها على النحو الاتي:
1- عاودت جلسات الحوار على أساس خطة أو خريطة طريق الرئيس نبيه بري التي باتت تعرف بـ «السلة الواحدة المتكاملة»، والتي جدد بري التمسك بها في «خطابه المركزي» في صور، والى حد ربط انتخاب رئيس الجمهورية بقانون الانتخابات والحكومة الجديدة وعناوين أخرى واشتراط حصول اتفاق مسبق على كل ذلك لانتخاب الرئيس… فالأهم من انتخاب الرئيس هو حصول اتفاق على المرحلة التي تلي الانتخاب حتى لا يسقط البلد في أزمات ومشاكل أولها أزمة تشكيل الحكومة التي يمكن أن تمتد لأشهر عدة، أو أزمة الاختيار، في حال عدم الاتفاق على قانون جديد للانتخابات، بين إجراء انتخابات على أساس قانون الستين أو عدم إجرائها والتمديد للمجلس الحالي…
بقدر ما يعلق الرئيس بري أهمية على «سلة الحوار» والاتفاق السياسي الشامل كممر إجباري الى إنهاء أزمة الفراغ الرئاسي، وبما يفيد أن الرئاسة ليست المشكلة حتى يكون انتخاب الرئيس هو الحل… فإن تيار المستقبل يرفض مبدأ السلطة والاتفاق المسبق على كل شيء، وخصوصاً على الحكومة ورئاستها وتركيبتها، وبالتالي فإنه ليس مستعدا للدخول في التفاصيل، ويبدي توجساً وحذراً شديداً ازاء أي محاولات لاستدراجه الى تقديم تنازلات ولتكرار سيناريو تسوية الدوحة التي أوجدت سابقة خرق القواعد الدستورية وتقديم التفاهمات السياسية عليها.
هناك سببان يدفعان تيار المستقبل الى رفض عرض بري وعدم التجاوب معه: الأول يتصل بالماضي وبتجربة اتفاق الدوحة غير المشجعة لأن حزب الله لم يلتزم بما تعهد به مقابل حصوله على الثلث المعطل في الحكومة وأسقط الحكومة ورئيسها سعد الحريري عند أول فرصة حانت له… والسبب الثاني يتصل بالمستقبل القريب، وحيث المنطقة دخلت مرحلة تحولات هامة وسريعة لا تتبلور اتجاهاتها ومعالمها بشكل واضح إلا بعد معرفة هوية الرئيس الأميركي الجديد وسياسته… وبالتالي فإن لا مصلحة لتيار المستقبل حاليا بتقديم تنازلات في وقت غير مناسب وفي ظرف متغيّر، وحتى لا مصلحة لرئيسه سعد الحريري بالعودة الى رئاسة الحكومة في هذه المرحلة وليس هذا هو الوقت المناسب كي يعود من دون ضمانات ومن دون حماية، إذ ليست المسألة مسألة هل يكون الحريري رئيسا للحكومة؟! المسألة هل يبقى رئيساً للحكومة ولا يتم إسقاطه كما حدث في عهد الرئيس ميشال سليمان؟! وإذا بقي هل يحكم ولا يتم محاصرته وتقييده كما جرى مع الرئيس رفيق الحريري في عهد الرئيس إميل لحود؟!
هذا باختصار رأي الرئيس فؤاد السنيورة الذي كان واضحاً في الإعلان والتوضيح ويجاريه في ذلك الرئيس سعد الحريري بأن لا انتخابات رئاسية في لبنان قبل انتخاب الرئيس الأميركي الجديد الذي معه تنطلق عملية التسوية في المنطقة وترتيب أوضاعها انطلاقاً من سوريا… ولكن تيار المستقبل إذا كان رافضاً لـ «السلة» أو التسوية الشاملة حالياً، فإنه غير رافض للحوار وهو مع استمرار الحوار في شقيه الوطني والثنائي كأفضل إطار ووسيلة لكسب الوقت وتقطيع هذه المرحلة الانتقالية… حوار للحوار. مفيد في الشكل ولا يصل الى نتيجة. يبقي الأزمة على الطاولة ويحول دون انتقالها الى الشارع، ويبقي كل الأطراف في حال جهوزية عندما تحين ظروف التسوية وتكون طاولة الحوار بمثابة منصة إطلاق لهذه التسوية… والأهم أن هيئة الحوار التي تحولت الى ما يشبه مؤسسة دستورية سياسية واقعية هي البديل الموقت عن مؤسسات معطلة وغير منتجة وغير قادرة على لجم الأزمة الوطنية السياسية في البلد وضبط إيقاعها.
2- الحوار الذي «يراوح مكانه»، في موازاته حكومة تواجه أكثر الأزمات جدية منذ ثلاث سنوات يمكن أن تشل ما بقي من قدرتها التقريرية والإنتاجية وأن تحولها عملياً الى حكومة تصريف أعمال.
التصعيد السياسي الذي يقوم به التيار الوطني الحر في هذه الفترة يعطى أبعاداً وخلفيات رئاسية: فالمطالبة بتعيين قائد جديد للجيش أياً يكن تهدف الى إزاحة العماد جان قهوجي كمنافس جدي على الرئاسة… والضغط الذي يمارس على الحكومة يهدف الى تسريع انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، إذ يصبح انتخابه حاجة لتلافي الأسوأ. وبعدما كانت المرحلة السابقة عنوانها: عون أو الفراغ، فإن عنوان المرحلة الجديدة في حال حدوث انهيار حكومي سيكون: عون أو الفوضى… ولكن العماد عون يخوض معركة حكومية – سياسية صعبة بأفق ضيق وخيارات محدودة، وسيكون مضطراً لخفض سقف هذه المعركة في اتجاهين: عدم اللجوء الى الشارع وعدم الدفع في اتجاه إسقاط الحكومة… تحريك الشارع يلزمه تأييد وحشد مسيحي. وإسقاط الحكومة لا يحصل من دون تأييد وقرار حزب الله… والحال إن العماد عون في معركته الراهنة لا يحظى بدعم حليفه القديم (حزب الله) ولا حليفه الجديد (جعجع)…
صحيح أن الدكتور جعجع ملتزم تنفيذ ما تعهد به من تأييد انتخاب العماد عون وإيصاله الى قصر بعبدا، ولكنه ضد تعيين قائد جديد للجيش قبل انتخاب رئيس الجمهورية، وضد سقوط الحكومة، رغم أنه غير ممثل فيها، طالما ليس هناك رئيس للجمهورية… وصحيح أن حزب الله لا يقبل انكسار حليفه الرئيسي عون وسيظل يبحث عن طريقة تعيده الى الحكومة «مجبور الخاطر»، ولكن عون لا يشكل لوحده خطاً أحمر في سياسة حزب الله الداخلية. ثمة خطوط حمر أخرى أولها استمرار الحكومة والاستقرار الداخلي. فالمعركة في سوريا هي الأساس، وما يجري في لبنان هو تفصيل وكل شيء يمكن أن ينتظر…
3- رئاسة الجمهورية عالقة داخليا ومعلقة على خط التوتر العالي الإقليمي. في حسابات اللعبة الداخلية الخرق يمكن أن يحصل في إحدى الحالات الاتية:
– أن يتخلى الحريري عن فرنجية ويؤيد عون رئيساً.
– أن يتخلى حزب الله عن عون ويقبل بـ «الرئيس التوافقي».
– أن ينسحب فرنجية لمصلحة عون.
– أن يطلب حزب الله من فرنجية الانسحاب.
– أن ينسحب عون لمصلحة فرنجية، أو لمصلحة تسوية ورئيس ثالث.
كل هذه الحالات أو الاحتمالات متعذرة حتى إشعار آخر. الحريري لا يذهب الى تأييد عون من دون أثمان وضمانات يريدها من حزب الله لا من عون… وحزب الله لا يتخلى عن عون طالما هو مرشح و«موجود»… وفرنجية لا ينسحب طالما أن الحريري لم ينسحب منه وحزب الله لا (ولن) يطلب منه الانسحاب… وعون لا يتراجع طالما أن لا إمكانية لانتخاب غيره.
أما في التأثيرات الإقليمية، فإن ما أعلنه الرئيس بري أمس كافٍ لاختصار المعادلة التي تربط التسوية الرئاسية في لبنان بتحسن وتقدم العلاقات الإيرانية – السعودية أولاً…
الاعتقاد السائد حالياً أن الأزمة الرئاسية أمام آخر فرصة لـ «لبننة الحل» عبر الحوار، وأن العماد عون يلعب آخر أوراقه للوصول الى قصر بعبدا… هذه الفرصة تمتد حتى نهاية العام ليدخل الوضع ابتداء من العام الجديد مرحلة جديدة، وفي فلك خيارات أخرى يمكن حصرها باثنين: تسوية سياسية «دوحة – 2» توصل الى الرئيس التوافقي… أو الذهاب في ظل الفراغ الرئاسي الى انتخابات نيابية كأمر واقع، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر ومحاذير يمكن أن توصل الى «طائف -2»…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق