سياسة لبنانية

عون: أخطأ في التقدير والتوقع، أم زُوِّد بـ «معطيات خاطئة»؟!

تقول مصادر سياسية مطلعة إن العماد عون كان واثقاً من انتخابه في الأسابيع الأولى من آب (اغسطس)، وهذا ما أفصح به الى عدد من زواره وأصدقائه من خارج التيار الوطني الحر، وأضافت إن عون سئل في الأسبوع الأخير من تموز (يوليو) الماضي من قبل شخصيات سياسية نافذة ومواكبة لما يدور في كواليس الاستحقاق الرئاسي، عن رأيه في قول الرئيس بري إن الرئيس العتيد سينتخب قبل نهاية العام الحالي، ومن ثم تدعيم هذا الرأي بموقف مماثل لوزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، وكان جوابه أن انتخابه سيتم قريباً قبل العاشر من آب (اغسطس).
 وقالت المصادر إن العماد عون وفي معرض تدعيمه موقفه بانتخاب الرئيس في هذا التاريخ، لم يتوقف أمام سؤاله عن إمكان التمديد للأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع الوطني اللواء محمد خير، ولاحقاً لقائد الجيش العماد جان قهوجي، بل تحدث وكأنه واثق من عدم التمديد لهما، بذريعة أن انتخابه رئيساً قبل انتهاء فترة التمديد لهما سيفتح الباب حتماً أمام تعيين من سيخلفهما في منصبيهما.
واعتبرت أن قراءة العماد عون هذه المتغيرات الموعود بها لم تكن صائبة، وأن هناك من تولى مهمة التنظير لحصولها في وقت قريب رغبة منه بمراعاة خاطره والإيحاء له بأن موسم قطاف الرئاسة الأولى قد حان بعد طول انتظار.
ومن أبرز هذه المعطيات التي وضع العماد نفسه فيها أو من تولى إيهامه بأنها ستحصل في أقرب وقت:
– أن الحرب في اليمن ستنتهي قريباً، وأن المفاوضات الجارية في الكويت وبرعاية الأمم المتحدة بين أطراف النزاع ستتوج قريباً باتفاق على إنهاء الحرب فيها وبتأييد من المملكة العربية السعودية وإيران والمجتمع الدولي.
– أن التحول الذي حصل أخيراً في الحرب الدائرة في سوريا مع تقدم النظام مدعوماً من روسيا وإيران والقوى المتحالفة مع الأخيرة، والذي أدى إلى فرض حصار شديد على حلب وفتح الباب أمام حصول اختراقات عسكرية واسعة ليست لمصلحة قوى المعارضة في سوريا، وأن الوضع على الأرض سيتغير بسرعة، وسينعكس في لبنان لمصلحة ترجيح كفة عون على منافسه فرنجية، قبل أن تتمكن المعارضة من فك الحصار على حلب وتعود الخريطة العسكرية لتوزع القوى الى المربع الأول.
– أن الرئيس سعد الحريري بات محشوراً في الزاوية، وهو على استعداد الآن للدخول في تسوية تمكنه من العودة الى رئاسة الحكومة في لبنان بأي ثمن، وأن السعودية قد تغض النظر ولا تمانع في انتخاب عون، مع أن أكثر من مسؤول فيها كان صرح بأن الاستحقاق الرئاسي شأن لبناني وأن الرياض تدعم كل ما يتوافق عليه اللبنانيون.
– أن ما يهم المجتمع الدولي في الوقت الحاضر، وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي، هو تدعيم الاستقرار الأمني في لبنان وتحصينه بتسوية سياسية، لأن الوضع لم يعد يطاق، ولأن منسوب المخاوف يرتفع تدريجياً، خصوصاً بالنسبة الى انهيار الوضع الاقتصادي.
أوساط عون لها نظرة مغايرة وهي لا تتحدث عن خطأ التقدير والتوقع ارتكبه العماد عون، وإنما عن خطأ وقوع عون مرة ثانية في «تضليل وخداع» المستقبل ووعوده. إن البحث في الملف الرئاسي شهد دفعة في الشهرين الماضيين بعدما أيقن فريق الحريري أن ترشيح النائب سليمان فرنجية وصل الى طريق مسدود. ترافق ذلك مع اشتداد الأزمة المالية التي أطاحت إمبراطورية «سعودي أوجيه»، ومع نتائج الانتخابات البلدية التي قرعت جرس الإنذار في بيت تيار المستقبل.
الأوساط المحيطة بالحريري دقت مجدداً أبواب التيار الوطني الحر، واستؤنف الحوار بين وزير الخارجية جبران باسيل ونادر الحريري، مستشار رئيس الحكومة السابق وأمين أسراره. سمع العونيون كلاماً مفاده أن هناك توجهاً في السعودية لا يمانع بانتخاب عون رئيساً للجمهورية، وفهموا أن الحريري تجاوز مشكلة رئاسة عون، وأن سؤاله الأساسي هو عمّا يمكن أن يقدمه الطرف المقابل، وعلى رأسه حزب الله، في شأن «سلة متكاملة» تضم انتخاب رئيس للجمهورية، واختيار رئيس للحكومة، والاتفاق على توزيع الوزارات، وقانون جديد للانتخابات، وغيرها.
رغم ذلك، تجاوز حزب الله كل شكوكه في جدية الطرح الحريري، وأعلن بلسان أمينه العام السيد حسن نصرالله، في خطاب السبت الماضي، استعداده للتسهيل وفق قاعدة: رئاسة الجمهورية في مقابل رئاسة الحكومة.
مر أسبوع على الكلام الإيجابي من دون جواب من الحريري الذي غالباً ما يعلق على خطابات نصرالله قبل انتهائها ما أثار شكوكاً عونية. غاب الحريري عن السمع تماماً، وذهب في إجازة طويلة على متن يخته. استؤنفت الاتصالات مع مفاوضيه ليأتي الجواب غير المباشر سلبياً: «الأمور مش زابطة ولن نمشي بعون».
ونُقل عن بري قوله إن لا انتخاب لرئيس للجمهورية قريباً وأن الحوار العوني -الحريري «كلام في الهواء».
عملياً، انتهت موجة التفاؤل. «الجو العوني – الحريري» تكهرب وكل شيء توقف. والوعد غير المفهوم من الحريري لعون بالرئاسة مقابل ضمانات ورسائل ضمانات انتهى عملياً. وأيقنت أوساط التيار الوطني الحر أنها وقعت مرة أخرى ضحية الخداع الحريري، كما في الحوار الأول الذي بدأ نهاية 2014 واستمر تسعة شهور بين روما وباريس وبيت الوسط.
مصادر في 8 آذار تعزو التراجع الحريري «إما الى أن الأخير مستعجل للعودة الى السلطة، وهو مقتنع بأن ذلك لن يكون إلا من خلال التفاهم مع حزب الله، وعليه أقدم على المبادرة من دون تفويض سعودي على أن يحاول تسويقها في الرياض لاحقاً، أو أنه سمع كلاماً من أوساط سعودية ما، ولكن ليس من الرجل القوي محمد بن سلمان».
الأوساط القريبة من الرابية لا تتخلى عن تفاؤلها رغم مؤشرات غير مشجعة وعلى طريقة «إذا مش آب أيلول». تخالف هذه الأوساط التوقعات السلبية وتصر على تبدل إيجابي سيقلب المقاييس في أيلول، دون الإفصاح بوضوح عن أسباب هذا التبدل ومصدره، كاشفة أن أجواء بيت الوسط تعاطت بإيجابية مع طرح السيد حسن نصرالله، وإن كان المطلوب الآن بعدما خطت حارة حريك خطوتها الأولى أن يكشف الشيخ سعد أوراقه ليصبح اللعب على المكشوف ليبنى على الشيء مقتضاه عبر وضع الاتفاق النهائي قيد التنفيذ، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن انتظار المعطيات الإقليمية أو الدولية حول الإستحقاق الرئاسي ستطول، علماً أن الرابية تبلغت من الحارة عن تقدم الاتصالات والمشاورات بين الحزب والمستقبل، الجارية عبر قناة جانبية يقودها مدير مكتب الشيخ سعد نادر الحريري والمعاون السياسي لأمين عام حزب الله حسين خليل بالتنسيق مع وزير الداخلية نهاد المشنوق الذي يلعب دوراً أساسياً في تقريب وجهات النظر، حيث تبقى المبادرة الداخلية مدخلاً لحل الأزمة أو ربما نوعاً من الأمل لتحريك الجمود القاتل، وهو ما يشدد عليه الخارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق