لا يصح الا الصحيح ولو بعد حين
عدة الشغل يجب ان تكون جاهزة ابداً لاستخدامها عند الضرورة، في تحريك المياه الراكدة في هذا الاتجاه او ذاك، لا يهم. ولكن المهم ان يبقى التوتر سائداً. ويبدو ان الذين عطلوا الانتخابات الرئاسية منذ سنة ونيف والكل معنيون، وقبلها عطلوا الانتخابات النيابية ومنعوا صدور قانون عصري وعادل للانتخابات، بهدف تعطيل المؤسسات وشلها، واظهار الدولة بانها عاجزة عن تحقيق اي امر، هؤلاء لا يزالون سائرين على المنوال عينه، يبحثون عن ثغرات، ينفدون منها لتحقيق مآربهم، وان لم يجدوها، يخلقونها، المهم ان يبقى اللبنانيون منشغلين بامور تافهة تلهيهم عما يخطط لهذا البلد.
الاسبوع الماضي اثاروا زوبعة اعتقد الجميع بان الارض ستزلزل تحت اقدامهم. اصروا على فتح ملف عرسال، هذه البلدة اللبنانية العريقة التي الصقت بها زوراً اشد النعوت سؤاً، فنسبوها الى الارهاب فيما كانت هي تدفع ضريبة وجود الارهابيين بالقرب منها. وقرعت طبول الحرب واعلنت التحديات وراح كل فريق ينصب نفسه المدافع عن عرسال، وهو الذي يهمه امرها ومصلحتها ومصلحة اهاليها. مع العلم ان البعض لا يعرف عرسال واهلها الا بالاسم، ولكنهم وجدوا فيها ورقة رابحة لخدمة اغراض معينة.
وتأزمت الامور حتى بات الناس يسمعون تصاريح واقوالاً، هي اشد عنفاً من اصوات المدافع التي لوحوا بها على عرسال. وكان لا بد من كبش محرقة وستار يتلطون وراءه، فاذا بهم يستهدفون الجيش ووصفوه بالضعف وبالعجز عن حماية عرسال وحملوا على قيادته. وطبعاً كان الهدف الابعد التعيينات الامنية التي تهمهم وتخدم مصالحهم، فارادوا تسخيرها لتحقيق ما يخططون له. ووجهوا سهامهم بعد الجيش الى الحكومة، منادين بالويل والثبور وعظائم الامور، وهددوا بفرطها والقضاء على اخر مؤسسة رسمية كبرى تعمل في هذا البلد، بعد ان عطلوا رئاسة الجمهورية وشلوا مجلس النواب، وهذا طبيعي، لانه في غياب رأس الدولة، لا يمكن للجسم ككل ان يعمل.
وهنا كان لا بد للمعنيين والحريصين على مصلحة البلد، بعيداً عن المصالح الخاصة، ان يتحركوا، ومن اولى بالجيش، الذي اشادت دول العالم كله ببطولته وحكمة قيادته، وبسرعة تحركه التي ادهشت الجميع، دخل عرسال وسط اهازيج اهاليها الذين استقبلوه بنثر الارز والورود، فاثبتوا لمن اتهمهم في السابق، انهم وطنيون بكل ما للكلمة من معنى، وان الجيش الذي ارادوا الاستخفاف به وجه اليهم لطمة قوية، لم يعرفوا كيف يخرجون مما ورطوا انفسهم فيه. فامسك بعرسال وسير الدوريات وقطع الطرق على كل المتاجرين بمصلحة هذا الوطن. هذه الخطوة زادت اللبنانيين ايماناً بالمؤسسة العسكرية وعمقوا التفافهم حولها.
ولما رأوا ان مخططهم فشل وان فألهم خاب كشفوا عن نواياهم، واعلنوا عن الورقة التي حاولوا ان يستروها، الا وهي التعيينات الامنية. واستمر التهديد، وقال احد الوزراء نحن نريد ان نأكل عنباً لا ان نقتل الناطور ولكنهم في الحقيقة يريدون اكل العنب وقتل الناطور معاً.
من الواضح ان النية متوفرة لتعيين قادة امنيين جدد، ولكن الخلافات تملأ الاجواء وتسممها. فلو فرضنا انهم دخلوا الى مجلس الوزراء وهذا ما حصل ولم يتفقوا، فماذا يفعل المعنيون والمسؤولون عن المؤسسات العسكرية والامنية؟ هل يذهبون الى الفراغ بحيث يتعطل كل شيء ويصبح لبنان اشبه بمريض وصل الى الموت السريري. فهل هذا ما يريدون؟
هل تسمح لهم وطنيتهم بابقاء المؤسسات العسكرية والامنية في هذه الظروف الحرجة، حيث تحاصر النار لبنان من كل الجهات، يحكمها الفراغ؟ ومن يواجه التكفيريين الذين يخوفون الناس منهم؟ هل يتركون الحدود سائبة بعيداً عن شرعية الدولة التي لا بديل عنها، مهما قال البعض، ومهما حاولوا ان يجملوا الصورة وهي بشعة اصلاً؟
اخر بدعة تهديد بالنزول الى الشارع واخذ المطالب بالقوة وهم في ذلك يدافعون عن مصالحهم الخاصة، ولكن ما هي مصلحة المصفقين والمهللين السائرين وراءهم على غير هدى؟ وهل يدرون الى اين سيصلون؟ قليلاً من التعقل وبعد النظر تنتهي الازمة، ولكن هل من مصلحتهم انهاء هذه الازمة؟
لبنان لا يمكن ان ينهض الا في ظل الشرعية التي ارتضاها السواد الاعظم من شعبه، فهل ان عندهم مخططاً يجافي هذا الواقع؟ ولمصلحة من؟ ومن هي الجهة التي تتمسك بهذا البلد ورقة تفاوض، ولو على حساب كل اللبنانيين؟ عودوا الى الواقع، فالخيال والاحلام لا يمكن ان تثمر في هكذا وضع. وبالنهاية لا يصح الا الصحيح ولو بعد حين.
«الاسبوع العربي»