الأسبوع الثقافي

إيلي لحود: مسرحية تعالج موضوع العدالة الفردية والأمن الذاتي

مسرحية الدكتور إيلي لحود الجديدة اسمها «إنتقام» وتجري أحداثها في تشيلي، أو في أي بلد استيقظ من كابوس الديكتاتورية وشرع في بناء دولته الديمقراطية… تحكي المسرحية قصة إمرأة تعرّضت لعملية خطف قبل 15 سنة حين كانت في كلية الطب، بسبب آرائها السياسية المناوئة للسلطة، حينها تعرّضت الى التعذيب بالصدمات الكهربائية، وجرى اغتصابها داخل زنزانتها… إنها قصة إمرأة تعثر صدفة، بعد زمن، على الرجل الذي هتك حرمتها وعذّبها، حين ألقي القبض عليها زمن الديكتاتورية، بسبب تفكيرها المناهض للفكر السائد – حينذاك – فتقرّر الإنتقام منه ومحاكمته في منزلها، وأن تقوم هي بنفسها في تطبيق العدالة التي عجزت السلطة الجديدة عن تطبيقها… وهي من تأليف الكاتب المسرحي التشيلي دورفمان، لبننة وإخراج الدكتور إيلي لحود، ومن تمثيل: روميو الورشا – رولا غوش – سيمون كيفوركيان.

كيف الإحاطة بموضوع مسرحيتك الجديدة بشكل كامل… والى أي حدّ تحاكي الواقع في لبنان؟
مسرحية «إنتقام» هي من تأليف أ.دورفمان، قمت بلبننتها وإخراجها، وهي تحاكي الواقع في بلدنا لبنان وفي البلدان المجاورة. فهي تعالج موضوع العدالة الفردية، والأمن الذاتي. فحين يفقد المرء الثقة بالدولة، وبالمؤسسات الأمنية، والسلطات القضائية، يلجأ الى تحصيل حقه بيده، وبطرائقه الخاصة. عندما كانت الفتاة «غوى» في الجامعة، وكانت تجاهد بأفكارها المناوئة للسلطات الديكتاتورية المهيمنة – حينذاك – أتى رجال الأمن وخطفوها من الجامعة وأودعوها السجن، وقد
خضعت لجلسات تعذيب، ولإنتهاك، ولإغتصاب. وكانت السلطات القمعية تتعاون مع أطباء في تعذيب المسجونين. والطبيب الذي تولّى تعذيبها وإغتصابها كان يضع موسيقى «الموت والصبية» للموسيقي شوبرت! تزوجّت «غوى» في ما بعد من المحامي «طارق» الذي طرح اسمه لاحقاً ليكون عضواً في لجنة التحقيق، على الرغم من ممانعة زوجته ويأسها من مصداقية السلطة الحاكمة، والقضاء، والأجهزة الأمنية. وصدفة تجد «غوى» الطبيب «راغب» في منزلها إثر مساعدة قدّمها لزوجها، وتتأكد من أن الطبيب هذا هو الذي قام – في ما مضى – بتعذيبها وإغتصابها، وقد وجدت أدلّة وإثباتات في صوته، وكلماته، ورائحة جسده، وفي أشرطة عثرت عليها – وبصوته – في سيارته المركونة في منزلها. فتقرّر الإنتقام من الطبيب، ومحاكمته في منزلها، ولو بعد زمن طويل دام اكثر من 15 سنة. فتقيّده على كرسي، وتحاكمه، وتصدر في حقه العقاب الذي يستحق، بعد تقديم الأدلة الكافية والبراهين.

مسرحية رصينة وقاسية…
كيف كانت علاقة الممثلين بالمكان وأشيائه؟

ثلاثة ممثلين يلعبون هذه المسرحية: روميو الورشا (المحامي طارق) – رولا غوش (غوى زوجة طارق) – سيمون كيفوركيان (راغب الطبيب)، مثلّث على علاقة مستمرة ببعضه البعض وبالجمهور، محكم الترابط منطقي الأحداث، دامغ الحجّة، قوي الوقع والتأثير والإقناع، صاخب المخيلة والشعور، إنساني النزعة. هذه المسرحية وإن مستمدة من الواقع، ورصينة وقاسية، فإنها وضعت في إطار سينوغرافي شاعري فنّي مستمد من معاني النص وأبعاده، ومن مناخ الإخراج والرؤية التي منحت له. وقد تم استثمار الحيزّ من قبل الممثلين بطريقة ذكية ومتنوعة، وقد كانت علاقة الممثلين بالمكان وأشيائه جمالية، ووظائفية، وإقتصادية.
ما هو الأسلوب الاخراجي الذي اعتمدته في هذه المسرحية القاسية الى حدّ ما؟
لقد اعتمدت مع الممثلين الأسلوب الحميم والشفاف والواضح، الذي يستمد من الصدق الداخلي منابعه الأساسية، ويتوكأ على الجسد وقدراته. ونسجت المسرحية على وقع ايقاع مشدود وتصاعدي، تمدّه بالنسغ موسيقى شوبرت (السمفونية الثامنة) إضافة الى موسيقى «الموت والصبية» التي كانت في أساس هذا العمل الذي أرّخ أزمنة الديكتاتورية مع «بينوشيه» بعد «اللندي» في التشيلي، حيث نرى المجاهرة بعدم القدرة على إعادة بناء دولة، ومؤسسات، نظراً للفساد الذي نخر البشر والحجر، ودمّر القيم والأخلاق، وعاث فساداً بالأمن، والقضاء، والتربية.

إنتقام ومحاكمة داخل المنزل
كيف جرت المحاكمة؟

على مدى الساعة والنصف نعيش هذه المحاكمة داخل المنزل، حيث لا يحصل الإنتقام دفعة واحدة، بل يأتي تراكمياً، بعد أن حاولت الزوجة، إقناع زوجها، والمتهم، في آن، بالذنب للثاني، وبالمسار الخاطىء للأول، ونتحقق بأن الزوجة ليست مجنونة، أو مريضة، أو مجرمة، أو شريرة، بل هي امرأة عادية، موزونة، ومثقفة، وتتمتع بشعور إنساني، وبرقيّ حضاري، لكنها أجبرت بعد أن فقدت كل ثقة، على تحصيل حقها بيدها، والإنتقام من الذي دمّر حياتها وانتهك حرمتها وكرامتها.

مسرحية صادقة تفوح أنسانية
لماذا اخترت هذا العمل بالذات؟

اخترت هذا العمل، لكثرة ما نشهد عندنا، ومن حولنا، من إنتهاكات، ومن محاكمات افرادية وذاتية، دون رجوع الى السلطات القضائية أو الأمنية أو الدولة. وحيث فقد المواطن الثقة، ودبّ الإهتراء في السلطات الحاكمة، وحصل تراجع في القيم والأخلاق والضمير، فلا إحقاق لحق ولا نصرة لضعيف، ولا عدل ولاعدالة. كفانا كوميديات، فالزمن الآن هو للجدّ، هو لقول الحقيقة، ووضع الأصبع على الجرح، وتسمية الأسماء بأسمائها. المسرحية جدية، صادقة وقاسية، وتفوح إنسانية. موضوعها ملحّ وصارخ وآنيّ، فهي لكل زمن، وخصوصاً الزمن الحالي، ورسالتها عالمية.

الممثل هو الركيزة الأساسية
أين تكمن الركيزة الأساسية لهذه المسرحية؟

انها مسرحية ممثل، لا بهارج فيها ولا تزيين، ولا إغراء ولا ملابس فضفاضة، ولا ألوان غير مجدية. ركيزتها الأساسية الممثل وعليه أن يكدّ ويتعب ويجتهد لإيصال المغزى والمعنى، وأن يتماسك مع الدور ومع باقي الأدوار، والأزمنة، وسياق القصة. والمسرحية هادفة بإمتياز، والمسرح هو فن هادف، يرتبط بالقضايا الإنسانية الكبرى، لا بالعابر والزائل. وتحتاج المسرحية الى مقدرة رفيعة وعالية في الأداء، وقد أثبت الممثلون الثلاثة مقدرتهم طيلة زمن العرض وهيامهم وشغفهم، ومرّروا المراحل، بفن، ووظائفية، وجمالية مدروسة، ولم تكن هناك مشاهد تخدش الحياء أو الحس، أو تسيء الى الحواس والأخلاق، أو تدمّر مكتسبات العقل والذوق والتربية والحضارة والأخلاق الرفيعة. مسرحية «إنتقام» عمل طليعي، آنيّ، إنساني بإمتياز، يشهد على ان المسرح الجاد لم يأفل نجمه.
(ومع هذا الحوار، مشاهد من مسرحية «إنتقام»).

اسكندر داغر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق