سياسة عربية

الأكراد اليوم… أقرب من أي وقت مضى لتحقيق حلم دولتهم واستقلالهم!

«لا نستطيع النوم… في وجود الدولة الإسلامية. فهذا معناه كابوس كل ليلة»
ترفرف راية تنظيم الدولة الإسلامية السوداء المثبتة على كوخ على مرمى البصر من الخط الأمامي دليلاً على الخطر الجسيم المحدق بالأكراد على امتداد حدود طولها 1000 كيلومتر.
ويعمل مقاتلو البشمركة الأكراد في حفر الخنادق وإقامة السواتر الدفاعية في وادي الغراب على مسافة تقل عن كيلومترين من قرية السلطان عبدالله الخاضعة لسيطرة الدولة الإسلامية. ويمثل الوادي خط الحدود الجديد للمنطقة الكردية.

يتمتع الأكراد بالحكم الذاتي منذ حرب الخليج الأولى عام 1991. وقد باتوا الآن أقرب من أي وقت مضى من تحقيق حلم الاستقلال الكامل. ومع ذلك تتهددهم طموحات الخلافة الإسلامية على الجانب الآخر من الحدود.
وعلى مسافة غير بعيدة من وادي الغراب يجري تدريب مجموعة من المقاتلين العراقيين أغلبهم من السنة للمساهمة في معركة استعادة الموصل احدى أكبر المدن العراقية وغيرها من المدن السنية التي اجتاحها مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية في حزيران (يونيو) الماضي قبل أن يغيروا اتجاههم صوب أربيل قلب السلطة عند الأكراد.
وكان التنظيم الجهادي أعلن في العام الماضي عن قيام دولة الخلافة بعد استيلائه على مساحات واسعة في شرق سوريا وغرب العراق وشماله. وأصبح التنظيم يهدد الكيان الكردي العراقي تهديداً مباشراً وأصبحت الخطوط الأمامية على مسافة 45 كيلومتراً فحسب من أربيل عاصمة إقليم كردستان.
وإلى الجنوب الشرقي قاتلت القوات الكردية متشددي الدولة الإسلامية والأسبوع الماضي استعادت حقلاً نفطياً قرب مدينة كركوك التي استولى عليها الأكراد الصيف الماضي وأعلنوها جزءاً من أراضيهم.
وقال فؤاد حسين رئيس ديوان الرئيس الكردي مسعود البرزاني «لا نستطيع النوم… في وجود الدولة الإسلامية. فهذا معناه كابوس كل ليلة».

عالمان متناقضان
وقال نجاة علي صالح أحد قادة البشمركة إنه لا يمر أسبوع لا تحاول فيه الدولة الإسلامية شن هجوم جديد لاستعادة ما فقدته من قرى.
وأضاف صالح قرب الخط الأمامي في وادي الغراب «هم أقوى منا. نحن نحتاج أسلحة ثقيلة لمقاتلتهم. فلديهم أسلحة أثقل. نحتاج مدفعية ومدافع مورتر وسيارات مدرعة وعربات همفي. أما الآن فلدينا بنادق كلاشنيكوف ومدافع رشاشة».
وعلى الجانب الآخر من هذه الحدود الجديدة يروي سكان من السنة أجريت مقابلات معهم في الموصل على مسافة 80 كيلومتراً فقط من أربيل حكايات عن عالم آخر تحت حكم الدولة الإسلامية.
وتدور حكاياتهم عن إعدامات وقطع رؤوس وجلد ورجم حتى الموت في الساحات العامة. وتنفذ العقوبات في المسلمين السنة الذين يرى رجال التنظيم أنهم لا يلتزمون بتفسيرهم المتشدد للشريعة الإسلامية. فتدخين السجائر ومشاهدة الافلام أو حتى مباريات كأس العالم لكرة القدم كلها حرام. والموسيقى وكل أشكال الفنون ممنوعة.
وقد تولى التنظيم إدارة المدارس ففصل البنات عن البنين حتى في دور الحضانة وغير المناهج الدراسية ليزرع رؤيته الإسلامية في عقول الصغار. وقال سكان إنه أقام معسكرات لتدريب الصبيان وتجنيدهم كي يحلوا محل من يسقط من المقاتلين في ساحة المعركة.
وعلى الجانب الكردي من الحدود لم تشهد كردستان استقلالاً سياسياً فحسب بل ازدهار اقتصادي لم تعرف مثيله من قبل خلال السنوات العشر الأخيرة فانتشرت الفنادق ومشروعات البناء. وتجمد هذا الازدهار في العام الماضي عندما توقفت بغداد عن سداد نصيب الأكراد من الموازنة الوطنية عقاباً للإقليم على تصدير النفط لحسابه.

بلد مقسم
بالنسبة الى الأكراد عزز صعود الدولة الإسلامية اعتقادهم أن العراق دولة مقسمة وأنهم أفضل حالاً في الكيان المستقل الخاص بهم وأن على كل الطوائف الأخرى أن تحذو حذوهم.
فمن أبسط الأكراد العاديين إلى كبار المسؤولين من المستحيل العثور على شخص واحد يعتقد أن العراق بلد موحد. ويريد كل من قابلهم مراسلو رويترز إما التقسيم أو الاتحاد الفيدرالي على الأقل.
والصلات التي تربط الأكراد بالعراق العربي قليلة وضعيفة.
فأغلب الأكراد الذين ولدوا في الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي منذ حرب الخليج عام 1991 لا يتحدثون العربية. وكل اللافتات على الطرق والمتاجر والقواعد العسكرية والمباني الحكومية مكتوبة باللغة الكردية وهي اللغة الرسمية للإقليم.
وقال نيجيرفان البرزاني رئيس وزراء كردستان إن العراق الذي سادته معارك طائفية منذ اجتياح القوات الأميركية التي أطاحت حكم صدام حسين عام 2003 لم يعد له وجود كدولة موحدة.
وقال لرويترز في مقابلة «لا يوجد ولاء لدولة اسمها العراق».
وأضاف «من المهم فعلاً ايجاد صيغة لكيفية العيش معاً داخل حدود ما يسمى العراق. وما لم يتم ايجاد هذه الصغية سيراق المزيد من الدماء وستظل البلاد عنصر زعزعة لاستقرار المنطقة».
وتشير كل الفئات الكردية إلى الصراع الطائفي بين الشيعة والسنة في مختلف أنحاء العراق وتتفق في الرأي أن البلد الموحد الذي تديره حكومة من بغداد ليس إلا حلماً من أحلام الماضي وإنه لا بد من توزيع السلطة لمنح كل طائفة من السنة والشيعة والأكراد منطقة تتمتع بالحكم الذاتي.
غير أنهم يقولون إن من المستبعد أن تتحقق هذه الرؤية ما لم يتخلصوا من تنظيم الدولة الإسلامية أولاً.

هل التقسيم الحل الوحيد؟
سيروان البرزاني الذي كان رجل أعمال بارزاً لكنه أصبح الآن من قادة البشمركة كما أنه ابن شقيق الرئيس البرزاني، كان يتحدث في معسكر النمر الأسود وهو يرتدي ملابس القتال قائلاً «على الأقل إذا لم نحصل على الاستقلال فلتكن لدينا ثلاثة كيانات اتحادية – كردي وشيعي وسني».
وقد تبخر الشعور بالهوية الوطنية العراقية منذ غزو عام 2003 الذي أدى إلى نقل الحكم للشيعة وأنهى باطاحة صدام حكم السنة الذي استمر عشرات السنين وأطلق شرارة حروب طائفية وأسفر عن صعود جماعات سنية متشددة من بينها القاعدة التي خرج تنظيم الدولة الإسلامية من عباءتها.
وقال قباد طالباني نائب رئيس وزراء حكومة الإقليم الواقع أن جيلاً كاملاً من العراقيين نما في بيئة تغلب عليها الطائفية في العقد الأخير. وأضاف «عندنا شيعة يروجون للسياسات الشيعية ويدافعون عنها. وعندنا سنة يتكاتفون حول الهوية السنية. والأكراد يفعلون الشيء نفسه».
وأضاف في مكتبه بأربيل «وحدة العراق كما كنا نعرفه انتهت ولهذا ما هو النظام السياسي الذي يمكن وضعه لإنقاذ البلاد؟ لدينا نموذج هنا في كردستان. ربما لا يكون نموذجنا قابلاً للتطبيق بحذافيره في سنيستان (الدولة السنية) بل شكل ما من أشكال الحكم الذاتي».
وقال إن السنة الذين يعيشون في مناطق متفرقة يمكن أن يتمتعوا بالحكم الذاتي داخل محافظاتهم حتى إذا كانت المناطق التي يعيشون فيها غير متجاورة.
وتابع «ما دامت بغداد مركز كل القرارات فسيسعى الناس للتقاتل عليها. ولا يوجد زعيم الآن في البلاد يمكنه أن يتحدث باسم العراقيين كلهم».
 

لا نشعر بأي انتماء للعراق .. ولاؤنا أولاً وقبل كل شيء لكردستان، حتى عندما يلعب العراق مباراة في كرة القدم أمام بلد آخر نؤيد الخصم

لا ولاء…
وقبل سنوات غير بعيدة كان عشرات الآلاف من الأكراد في شمال العراق ضحايا لمحاولات إبادة جماعية من خلال قصف جوي وإعدامات جماعية وهجمات بالغازات الكيماوية وعمليات نزوح جماعي فرضتها قوات صدام.
وقد دمر أكثر من 4500 قرية كردية ونزح نحو مليون كردي عن بيوتهم.
وما زالت حملة الأنفال التي يسميها الأكراد الإبادة الجماعية الكردية التي شنها صدام بين عامي 1986 و1989 محفورة في أذهان الأكراد. فمن الصعب مقابلة شخص لم يتأثر بأي شكل من الأشكال بحملة الانفال التي بلغت ذروتها بهجوم بغاز الأعصاب عام 1988 في حلبجة سقط فيه ما يصل إلى 5000 قتيل.
وقال إحسان شيخ (46 عاماً) الذي يعمل في محل صرافة «لا أشعر بأي انتماء للعراق».
وأضاف «ولاؤنا أولا وقبل كل شيء لكردستان. حتى عندما يلعب العراق مباراة في كرة القدم أمام بلد آخر نؤيد الخصم».
وقال سركفت أحمد (18 عاماً) الذي يعمل في متجر يبيع الأجهزة المنزلية ولا يتكلم العربية «نريد الانفصال عنهم. العرب هم العدو. فهم خونة وقتلة».
أما علي تحسين (37 عاماً) المولود لأم عربية وأب كردي فقال «في الوقت الحالي لا يشعر أي عراقي بأنه عراقي. وهذا ليس فقط في كردستان. نحن نعيش في بلد لا قيمة فيه لحياة الإنسان».
وعلى الأرض أدت الحرب في سوريا وحملة الدولة الإسلامية في العراق منذ عام 2013 إلى انفتاح الحدود في الشرق الأوسط بعد أن ظلت ثابتة منذ معاهدة سايكس بيكو لعام 1916 التي أبرمتها بريطانيا وفرنسا وقسمتا فيها المنطقة وفقاً لمصالحهما.
وتجاهلت هذه الحدود الخلافات العرقية والقبلية والدينية التي تهيمن على الحياة السياسية في المنطقة. كما جعلت الأكراد الذين يقدر عددهم بنحو 30 مليوناً وأغلبهم من السنة يعيشون كأقليات في تركيا والعراق وإيران وسوريا بالإضافة إلى من يعيش منهم في الشتات.

أثر مضاعف
ومنذ اقتطع الأكراد كياناً مستقلاً لهم في شمال العراق استاءت تركيا وسوريا وإيران لأن أمل إقامة دولة كردية موحدة قد يحرض الاقليات الكردية في كل منها على السعي للانفصال.
وبينما يخشى الجيران انفصال الأكراد بما قد يؤدي إلى تفكك دولهم فإن الواقع على الأرض يقول إن الأكراد أنشأوا بالفعل دولة على الأقل في العراق. كذلك أصبحت ثلاثة جيوب في شمال شرق سوريا تحت سيطرة الأكراد رغم أن تنظيم الدولة الإسلامية يمثل تهديدا لهذا الوضع.
وقال مسؤولون أكراد إن الأكراد يقاتلون الدولة الإسلامية من أجل مناطق تنتمي للإقليم الكردي غير أنهم سيتحاشون استخدام قوات البشمركة في طرد مقاتلي التنظيم من المناطق السنية أو حتى السعي لاستعادة مدينة الموصل السنية.
ويصرون على أن القتال يجب أن يكون بقيادة وحدات الجيش العراقي.
غير أن استرداد الموصل يبدو بعيداً. فقد أكد مسؤولون على أن الجدول الزمني لمثل هذا الهجوم يتوقف على إعادة بناء الجيش العراقي الذي انهار عندما اجتاح التنظيم الموصل وشمال العراق.
وقال أثيل النجيفي الحاكم الإقليمي السابق الذي هرب من الموصل عندما دخلها مقاتلو الدولة الإسلامية إن رد التحالف على التنظيم كان بطيئاً ومتأخراً.
وأضاف أن سكان الموصل خائفون من التمرد ما لم تدعمهم قوة من الخارج.
وقال النجيفي «نعتقد أنه إذا كانت هناك قوات قريبة من الموصل أو على مشارفها فإن المدينة ستحتشد (ضد التنظيم) بسرعة كبيرة».
ونهب مقاتلو الدولة الإسلامية ممتلكاته وخيوله العربية الأصيلة بل إن ساعته الرولكس هي الساعة التي ظهرت في معصم زعيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي عندما ظهر في مسجد بالموصل العام الماضي لاعلان دولة الخلافة.

رويترز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق