آدب

سميح القاسم: منتصب القامة في طريقه نحو المغيب

منتصب القامة، مرفوع الهامة، رحل الشاعر سميح القاسم، على وقع قصيدته، وبالتالي على وقع أغنية لصديقه العندليب، وهو في طريقه نحو المغيب، من دون ان ينحني لأولئك الذين اغتصبوا وطنه وشردوا شعبه في كل أنحاء الدنيا… تاركاً الجليل، في الرامة، عاصمة الزيتون العريق والعتيق، الذي يعود تاريخه الى عهد الرومان، وهي قرية جميلة جداً، على سطح جبل حيدر الجنوبي، ثاني أعلى جبال فلسطين، وهي قرية معروفة بتعدديتها… وهو الذي بقي في اسرائيل من دون أن يغادر الى أي مكان آخر، أو بالأحرى، كما قال لي:«أنا ما بقيت في اسرائيل، أنا بقيت في وطني، ولو غيري فعل مثلي لكان وضعنا مختلفاً نحو الأفضل طبعاً».

في أواخر سنة 2009، كنت في القاهرة، وهناك التقيت للمرة الأخيرة بالشاعر سميح القاسم، الذي أقرأ له الشعر الذي كان يكتبه في ظل الحراب وفي مناخ تفشي جرثومة العنصرية، بإعجاب وتقدير.
وعلى مدى أربعة أيام تقريباً، كان لي معه جلسات طويلة… معاً تناولنا الطعام، ومعاً رشفنا القهوة، ومعاً تحدثنا حول الشعر والشعراء، وأحوال العرب والعالم… والتقطت له مجموعة من الصور الفوتوغرافية… ويومها، أجريت معه الحديث المطول الذي أعتبره – بكل تواضع – فريداً من نوعه، وذلك في فندق «الماريوت» في الزمالك، حيث حاولت أن أعرف سرّ صموده في وطنه، ومصدر إرادته الجبّارة، ومدى إنزعاج اسرائيل من قصيدته التي كان يعتبرها سلاحه الفتّاك، وصولاً الى مستقبل الوطن السليب…

باقٍ في أرض الوطن الى ما لا نهاية
لقد صمد سميح القاسم في أرضه ووطنه، حتى آخر رمق من حياته، وهو القائل في إحدى قصائده:
لا يدرك دفء البيت سوى
من كابد برد الغربة!

***

لم يستطع أن يترك فلسطين بشكل نهائي، وأن يعيش في المنفى، ويكتب في المنفى، ويعشق في المنفى، ويموت في المنفى… بل بقي متجذراً في أرض الآباء والأجداد، يعيش فيها، يحكي حكاياتها، يكتشف حقيقتها، يدافع عنها، لأنه كان يعرف تمام المعرفة، ان الأرض مثل الحبيبة، عندما تهجرها فإنك تخسرها والى الأبد، يستولي عليها القرصان، وتصبح مسرحاً للذئاب!
كثيرون هم الشعراء والكتّاب الذين تركوا فلسطين، وكثيرون هم الذين صمدوا في وجه الرياح المجنونة.. وهكذا، سار سميح القاسم على خطى الشاعر توفيق زياد الذي لقي حتفه وهو في طريقه الى القدس بعدما قابل ياسر عرفات في أريحا اثر عودته الى الوطن، وعلى خطى الروائي اميل حبيبي الذي تحققت وصيته عندما كُتب فوق ضريحه عبارته الشهيرة «باقٍ في حيفا»، وعلى خطى الشاعرة فدوى طوقان، وجميع الذين صمدوا في الأرض، رغم أنف قوى الشر والظلام… وصولاً الى الشاعر محمود درويش الذي عاد الى فلسطين – بعد الترحال الطويل – ودُفن في أرضها.

قصيدته هي جواز سفره
من هنا، قال لي سميح القاسم بالحرف الواحد:«كنت أحس بغضب غير معقول، حين أسمع بعض السفهاء والتافهين في بلاد الاعراب يقول:هؤلاء تهودوا، هؤلاء تأسرلوا، هؤلاء جزء من اسرائيل، هؤلاء يهود… ويرفضون الإتصال بنا، ويعتبرون زيارتي لبلد عربي تطبيعاً مع اسرائيل، يعتبرون حملي جواز سفر اسرائيلياً إنحرافاً قومياً، وأنا قلتها وأكررها:لو خيّرت بين البقاء في الوطن مع دمغة نجمة داود يدمغونها على جبيني أو على مؤخرتي، وبين مغادرة الوطن، لفضلت البقاء».
وأضاف: «مع الأسف الشديد، الإيرانيون اكتشفوا قبل العرب هذه الحقيقة. فيوم دعيت لزيارة إيران عندما كان السيد محمد خاتمي وزيراً للثقافة والإرشاد الإسلامي، قلت له مداعباً: أنا جواز سفري إسرائيلي، فكان جوابه:«جواز سفرك قصيدتك». وأنا أقول: إذا كان عندكم جواز سفر أشرف، ارفعوه».

اسرائيل أصغر منه سناً
عندما التقيته في القاهرة، أجاب على أسئلتي، بجرأة الفارس، وصراحة الشاعر المؤمن بالحق والحرية والعدالة.
إن أكثر ما كان يشغله، هو ما يحدث لشعبه ولوطنه ولأمته، والحالة الكارثية التي يعيشها الشعب العربي بكل قطعانه، ومن ثم، التمزق والتشرذم، والمذلة والمهانة، بحيث أصبحنا أمة للعبث فقط، معتبراً أننا أمة من الأصفار!
وبسخرية قاتمة قال لي، انه توصل الى قناعة كأن إسرائيل ما أقيمت لإحتلال فلسطين، ولا لإحتلال جنوب لبنان، ولا لتمزيق الأمة العربية… بل انها أقيمت بهدف واحد، هو إغاظة سميح القاسم شخصياً!
وقد ردّ على محاولة الإغاظة بإغاظة، إذ انه بقي في وطنه، ولم يغادر رغم إغراءات كثيرة، ودعوات كثيرة… مؤكداً انه باقٍ في وطنه، وليس في إسرائيل التي يعتبرها أصغر منه سناً، وما يجوز قوله، ان إسرائيل باقية عليه. مشيراً الى أن لديه سلاحاً أخطر من كل الأسلحة، لديه القصيدة، وهي سلاح فتّاك… وإسرائيل تعلم، ان قصيدته تشجع طفلاً في النقب، وإمرأة في المثلث، وشيخاً في الجليل، على التشبث بما تبّقى من تراب…
ويرى سميح القاسم، ان ما يزعج اسرائيل أكثر من أي شيء آخر، الإصرار على أن هذا الوطن هو وطنك، وأنك تنتمي الى هذا التراب… من هنا، لفتني الى أن اسرائيل لا تحسب حساب الجيوش العربية، ولا تحسب حساب السلاح النووي الإيراني، بل تحسب حساب المقاومة الشعبية، وتحسب حساب القصيدة، وتحسب حساب المليون وربع المليون عربي فلسطيني (المواطنين) في الدولة العبرية، فهم في نظرها: طابور خامس – قنبلة بيولوجية – قنبلة موقوتة – خطر ديموغرافي – خليّة سرطانية في جسم الدولة.

شعر يخفق بالحياة ويحافظ على دراميته وإنسانيته
من نتاجه الشعري الأخير، قبل رحيله، صدر له في سنة 2012، مجموعة بعنوان «كولاج 2»، وأخرى بعنوان «هواجس لطقوس الأحفاد»، وفي إعتقادي، ان نتاجه الجديد، يعتبر نقلة نوعية في مسيرته الشعرية الطويلة التي تمتد الى أكثر من نصف قرن.
صحيح ان شعره ما زال يخفق بالحياة، وما زال يحافظ على قوته وعمقه، وعلى دراميته وإنسانيته، وما زال الوطن السليب، هو البداية وهو النهاية… ذلك كله صحيح، ولكن عندما قرأته في نتاجه الجديد وجدته أكثر عمقاً، وأكثر حداثة، وأكثر دهشة وحكمة.
ببساطة وعمق معاً، يقول سميح القاسم في كتابه «كولاج 2»:
لماذا تُشنّ الحروب عليّ
وتزرعني بالقنابل
وكل الذي في يديّ
رغيف فلافل؟
لماذا؟

حاولو إخراسه منذ الطفولة!
في مجموعته الشعرية «هواجس لطقوس الأحفاد» أضواء على سيرة الشاعر الراحل الذاتية التي لا تخلو من المعلومات الجديدة والطرافة معاً.
الإسم الكامل: سميح محمد القاسم محمد الحسين.
كان والده ضابطاً برتبة رئيس (كابتن) في قوة حدود شرق الأردن، وكان الضباط يقيمون هناك مع عائلاتهم. وحين كانت العائلة في طريق العودة الى فلسطين بالقطار، في غمرة الحرب العالمية الثانية، ونظام التعتيم، بكى الطفل سميح فذعر الركاب وخافوا أن تهتدي إليهم الطائرات الألمانية. وبلغ بهم الذعر درجة التهديد بقتل الطفل، مما اضطر الوالد الى إشهار مسدسه في وجوههم لردعهم، وحين رويت الحكاية لسيمح في ما بعد، تركت أثراً عميقاً في نفسه:«حسناً لقد حاولوا إخراسي منذ الطفولة، وسأريهم، سأتكلم متى أشاء وفي أي وقت وبأعلى صوت، لن يقوى أحد على إسكاتي!».

حياة مضطربة ونتاج غزير
ويتحدث الكتاب عن معاناة الشاعر في الداخل والخارج، كما يذكر محطات في مسيرته الصحافية…
سجن مرات عديدة، وفرضت عليه الإقامة الإجبارية والاعتقال المنزلي، وطُرد من عمله أكثر من مرة، بسبب نشاطه الشعري والسياسي، وواجه أكثر من تهديد بالقتل، في الوطن وخارجه.
اشتغل معلماً وعاملاً في خليج حيفا وصحافياً، ساهم في تحرير جريدة «الغد» و «الإتحاد»، ثم رئيس تحرير مجلة «هذا العالم»، ولم يلبث أن عاد للعمل محرراً أدبياً في «الإتحاد»، وسكرتيراً لتحرير «الجديد»، ثم رئيساً للتحرير. وأسس منشورات «عربسك» في حيفا (مع الكاتب عصام خوري). وأدار في ما بعد «المؤسسة الشعبيةللفنون» في حيفا. رئس إتحاد الكتّاب العرب، والإتحاد العام للكتّاب العرب الفلسطينيين في اسرائيل منذ تأسيسهما. وأخيراً، رئيس التحرير الفخري لصحيفة «كل العرب» الصادرة في الناصرة.
للشاعر سميح القاسم، أكثر من 65 كتاباً، في الشعر والقصة والمسرح والمقالة والترجمة. وصورت أعماله الناجزة في سبعة مجلدات عن ثلاث دُور نشر في القدس وبيروت والناصرة.
تُرجم عدد كبير من قصائده الى الإنكليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية والاسبانية واليوناينة والإيطالية والتشيكية والفيتنامية والفارسية والعبرية ولغات أخرى… وصدرت كتب ودراسات نقدية عدة، تناولت أعماله ومسيرته الذاتية، وانجازاته وإضافاته الخاصة والمتميزة، شكلاً ومضموناً.
وحصل على جوائز كثيرة، عربية وعالمية، وتلقى عدداً كبيراً من الدروع وشهادات التقدير.

اسكندر داغر
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق