آدب

احمد عبد المعطي حجازي… الخيبة والامل في اعماله الشعرية الكاملة

عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» في القاهرة، صدرت حديثاً، الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر المصري احمد عبد المعطي حجازي، وهي تتألف من سبعة دواوين: مدينة بلا قلب – اوراس – لم يبق الا الاعتراف – مرثية للعمر الجميل – كائنات مملكة الليل – اشجار الاسمنت – طلل الوقت. يعتبر هذا الشاعر، احد رواد جيل الخمسينيات، اذ انه في اوائله، حمل قلمه ومشى، واخذ يعبّر بواسطته عن الامل والانتصارات تارة، وعن الخيبة والانكسارات طوراً… وذلك انطلاقاً من انتفاضة الشعوب العربية الباحثة عن الاستقلال والسيادة والحرية، مروراً بنكبة فلسطين، وثورة الجزائر، وصولاً الى تغيير النظام في مصر وما رافقه من صعود وهبوط، الخ… في ذلك الحين، ومع تراجع الحركة الرومنطيقية في الشعر العربي، وانطلاق حركة تجديد القصيدة العربية بشكل بارز وقوي، دخل احمد عبد المعطي حجازي مملكة الشعر، واخذ يساهم في حركة التجديد، من خلال دواوينه السبعة، اذ ان كل ديوان يعبّر عن مرحلة معينة من مراحل تجربته الحياتية والشعرية، وهو الذي ادركته حرفة الادب بعد التغيرات الجذرية التي شهدها العالم في اعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث عصفت رياح الحرية بالشعوب التي كانت ترزح تحت تأثير الاستعمار، ومنها الشعوب العربية.

قبل اكثر من عقد، زار الشاعر احمد عبدالمعطي حجازي لبنان، وذلك بمناسبة اعادة تمثال الشاعر الكبير خليل مطران الى قاعدته في بعلبك، بعدما اطاحته الحرب المجنونة التي عصفت بلبنان على مدى سنوات طويلة… حيث شارك في المهرجان الخطابي الذي اقيم في ذلك الحين. يومها تعرّفت اليه شخصياً، بعدما كنت قرأت بعض دواوينه.

من الريف الى المدينة بحثاً عن مكان
باكراً وصل احمد عبد المعطي حجازي الى القاهرة آتياً من الريف، مثل العديد من ابناء الريف الذين نالوا قسطاً من التعليم، او الذين تخرجوا من الجامعات… بحثاً عن مكان له في العاصمة المصرية، حيث التحق بالعمل في الصحافة المصرية، بدءاً من اواسط الخمسينيات، في «دار روز اليوسف»، بالاضافة الى انه اخذ ينشر قصائده في المجلات والجرائد المصرية والعربية الاخرى، وبالتحديد في مجلة «الآداب» اللبنانية التي لعبت دوراً عظيماً ومؤثراً في حركة الادب العربي المعاصر، وفي حركة الشعر بالذات، فهي التي تبنّت بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور ونزار قباني وخليل حاوي، وسوى هؤلاء من الشعراء الذين ظهروا في جيل عبد المعطي حجازي.

في منتصف القرن الماضي بدأت محاولات التجديد
في اثناء وجوده في لبنان، عرّفني به الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي الذي كان بدوره مشاركاً في مهرجان خليل مطران، وكان لي لقاء مطول معه، عرفت خلاله انه في اوائل الخمسينيات، كان في مقتبل العمر – وهو من مواليد سنة 1935 – كانت الحركة الرومنطيقية في الشعر العربي قد تراجعت وانتهت، واختفى وغاب ممثلوها الكبار، او بالاحرى، عدد من اكبر ممثليها، اي الشعراء: علي محمود طه، وابرهيم ناجي، والياس ابو شبكة، وسوى هؤلاء… ولا شك في ان ممثلي هذه الحركة في المهجر كانوا قد صمتوا، فالشاعر ايليا ابو ماضي توفي في اوائل الستينيات، ولكنه كان قد سكت واختفت مجلته «السمير» بين اواخر الاربعينيات واوائل الخمسينيات…
اذاً في تلك السنوات كانت محاولات التجديد الجذرية التي سعت الى تجديد القصيدة العربية، لغة وشكلاً ومضموناً وموسيقى. ولكن هذه المحاولات بدأت قبل نازك الملائكة وقبل بدر شاكر السياب بسنوات طويلة، وهذه هي الحقيقة، لاننا حين نعود مثلاً، الى ما نشر في مصر ولبنان، سوف نجد ان الخروج على الاشكال التقليدية في العَروض العربي الذي قام بها الخليل بن احمد الفراهيدي، ظهر مثلاً، في قصائد خليل شيبوب، واحمد زكي ابو شادي، وحليم دموس، وخصوصاً امين الريحاني.

دواوين تترجح بين التفاؤل والتشاؤم
في سياق حديثنا، اشرت اليه، الى ان دواوينه تترجح بين التفاؤل والتشاؤم… فلم يتردد في توضيح هذه الناحية، متوقفاً عند محطة من محطات مسيرته الشعرية، اي الاحساس بالقلق على مصير ثورة يوليو في مصر… وهذا القلق كان مصدره الاحساس بأن المشاركة الشعبية ومشاركة المثقفين كانت مشاركة ضعيفة، لان انظام الثوري في مصر لم يهتم بمسألة الديمقراطية، واعتبر ان المشاركة الشعبية تنحصر في المظاهرات والمسيرات والهتافات اكثر منها مشاركة منظمة قائمة على وضوح فكر، وتكتل حقيقي، وتنظيم الجماهير والمناضلين في حزب قادر على ان ينهض بالاعباء الملقاة على الجماهير في تلك السنوات.
هذا الاحساس بالتشاؤم انعكس في شعر احمد عبد المعطي حجازي وفي شعر غيره من الشعراء المصريين، وهذا ما ظهر مثلاً، في الديوان الثالث الذي اصدره بعنوان «لم يبق الا الاعتراف».
اما مرحلة النشأة المشرقة المتفائلة، فظهرت في الديوان الاول «مدينة بلا قلب»، وايضاً في قصيدته الطويلة «أوراس» وهي عن الثورة الجزائرية. واوراس هو الجبل الذي انطلقت منه الشرارة الاولى للثورة.
ومن ثم، وقعت الهزيمة في سنة 1967، وكان من آثارها ان التجربة تراجعت وفشلت وانتهت. ويظن حجازي، ان الديوان الذي عبّر عن هذه الهزيمة، التي كانت هزيمة شخصية وعامة معاً، هو ديوان «مرثية للعمر الجميل» الذي صدر في سنة 1972.
بعد ذلك، اضطربت وتوترت علاقته بنظام السادات الذي خلف نظام عبد الناصر، فقرر ان يذهب بعيداً الى اوروبا، واختار فرنسا بالذات، وعاش في باريس حيث اشتغل في تدريس الشعر في «جامعة باريس 8» في فنسان وسان دونيز، ومن ثم، «جامعة باريس 3» في السوربون، وظل في باريس من 1974 الى 1990، اي مدة 17 سنة.

تأثير المحطة الباريسية في شعره
وهنا، لا بد من الاشارة، الى ان محطته الباريسية كان لها التأثير الكبير في مسيرته الشعرية، وهو يعتبرها مهمة جداً… اما اثر ذلك في شعره، فهو ان انفصاله عن الحدث اليومي جعل موضوع القصيدة عنده ينبع من الداخل اكثر من الخارج. بمعنى ان القصيدة التفتت الى الاسئلة ذات الصوت الخفيض اكثر من الاسئلة المرتفعة الصوت، التفتت الى الخفايا اكثر من التفاتها الى الظواهر، التفتت الى لغة شعرية اكثر همساً واقل جهارة، التفتت الى طريقة في البناء ليست مكشوفة بل مستترة، وهكذا…
هذا ربما يجده القارىء والناقد في اول ديوان اصدره وهو في فرنسا، وهو «كائنات مملكة الليل»، وحتى الاسم ربما، كان ذا دلالة، لان الليل هنا، اصبح هو الموضوع، وكذلك كائناته، يعني الكلام هنا، هو عن السر والنفس والداخل واللاوعي، وعن عالم الصمت، وذلك كله، ربما كان في تصوره نقيضاً لعالم النهار وكائناته.
واثر المرحلة الباريسية يظهر ايضاَ في ديوانه السادس، وهو «اشجار الاسمنت» الذي صدر في القاهرة سنة 1989، اي قبل عودته الى مصر بوقت قصير، حيث كان قد تعاقد مع جريدة «الاهرام» على ان ينشر فيها مقالة اسبوعية كل يوم اربعاء حول الثقافة.
وبعد، هذه ملامح وانطباعات عن الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر احمد عبد المعطي حجازي، الصادرة حديثاً، في القاهرة.

اسكندر داغر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق