صحة

قبل أن تقع في الفخّ… أدوية تنشيط الذاكرة تضليل وخداع!

كم تمنينا في كثير من اللحظات أن ننسى، أن نغرّد خارج الأفكار السجينة، مكررين بلا هوادة: النسيان أسهل طريقة للحياة! لكن ما إن ننسى، أي شيء،  أي شيء، حتى نبدأ بالشكوى والتذمر والسؤال: وما بالنا قد نسينا؟ ألزهايمر؟ لا. وما بنا إذا؟ نُفكر ونُفكر ونظل نُفكر الى أن تجتاحنا فكرة طلب النجدة: دواء للذاكرة… فهل هناك فعلا دواء قادر على تنشيط الذاكرة؟
 


جبران خليل جبران تمنى أن ينسى مردداً: النسيان شكل من أشكال الحرية. لكنه لم ينس. ومن لا ينسى قد لا يعرف، حتى ولو كان عبقرياً، أثر النسيان على من تتكرر معه هذه الحالة! فالنسيان أصبح آفة العصر، والعصر في تطور، والتطور يجعلنا نسأل ونكرر: وماذا عن كل الأدوية التي ينشطون في الترويج عن فعاليتها في تنشيط الذاكرة؟
يبتسم الاختصاصي في طب الدماغ الدكتور سامي عطروني كثيراً قبل أن يجيب، ومن ابتسامته نلتقط أولى إشارات الجواب الذي يُختصر بكلمتين: الإجابة صعبة!

مجرد حبات بونبون
صعبٌ طبعا أن يُعلن الطبيب أن كل ما يتم الترويج له من عقاقير لتنشيط الذاكرة مجرد حبات بونبون… وصعب أن يقتنع من يشعر بتلفٍ في ذاكرته أن علاجه لن يكون بحبة دواء… فما العمل إذا؟ وماذا في تفاصيل طبيب الدماغ؟
يعتبر الدكتور عطروني أن قدرات الإنسان الفكرية والتحليلية والإدراكية تضمحل مع السنين ونفقد كثيراً من الذكريات القريبة أولا ثم البعيدة، العميقة، وصولاً الى فقدان النطق أحياناً. وكثيراً ما نلاحظ من خلال تجاربنا، والكلام الى طبيب الدماغ، بأن الإنسان الذي يفقد ذاكرته، أو لنقل يُصاب بالألزهايمر، يعاني تدريجياً من صعوبة في استيعاب الكلام ثم في الكلام ذاته… لكن، هذا الإنسان، حتى ولو بدا فاقداً للذاكرة، تظل بعض المناطق الدماغية فيه ناشطة، خصوصاً مناطق العاطفة، لهذا قد نرى في لمعة عيون من نسوا أمورا كثيرة عاطفة جياشة قد لا نفهمها، مستغربين يعرفوننا أم لا يعرفوننا، غير أن في الطب، في طب الدماغ، براهين أنهم لا بدّ يشعرون بنا.
ذهبنا الى الأقصى، الى النسيان الكلي… فلنعد إذاً قليلاً الى الوراء لنسأل عن النسيان الذي تشعر به أمهاتنا ويتحدث عنه اباؤنا ونشعر به حتى نحن أحيانا… فهل هناك حبة سحرية لنتذكر ماذا أكلنا البارحة؟
واسم ذاك الشخص الذي نُصادفه يوميا؟ وأين وضعنا مفتاح السيارة؟ وما هي المقادير الصحيحة، المقادير التي طالما كنا نمزجها معاً، في تحضير صينية كنافة بالجبن مثلاً؟

لا دواء للذاكرة
لا شيء اسمه، بحسب الدكتور عطروني، دواء للذاكرة ويشرح: يسألونني أينما حللت: دكتور عندك دواء للذاكرة؟ ودائماً أجيب: لا، ليس هناك دواء فعال للذاكرة، فالذاكرة قد تتأثر بالعمر لكنها تتأثر أكيد بظروف البيئة والحياة أيضاً، وبالتالي قد نرى ابن أربعين ينسى بسبب التوترات المحيطة به من «ستراس» وإرهاق وتعب وإكتئاب وحتى ارتفاع نسبة الكوليستيرول السيء في الدم قد يُساهم في وجود هكذا مشكلة…

والعلاج؟
يجيب الطبيب: دائماً نقول ونردد ونزيد: حاولوا أن تبتعدوا عن مسببات التوتر، وأمنوا سبل الوقاية من الشحوم والسكري، واقرأوا. القراءة تفتح لكم المعارف وتنشط الذاكرة والدماغ الذي مثله مثل الجسم يحتاج الى تمارين رياضية أما الدواء، تلك الحبة الموعودة المنتظرة، فهي لا شيء في مجال آفة النسيان!
في كل حال، كلنا مررنا بمواقف محرجة من نوع: نسيان اسم إنسان قريب منا جداً! فلماذا ننسى عادة الأسماء حتى ونحن نلقي التحية على أشخاص جدد وبعد ثوان فقط من التعريف عن أسمائهم؟
متى عُرف السبب بطل العجب! نعم، ثمة منطقة في الدماع معنية بحفظ الوجوه لهذا نتذكر أننا رأينا هذا الوجه، وجه أي شخص، حتى ولو مضى على ذلك عشر سنوات، غير أنه لا يوجد للأسماء منطقة خاصة في الدماغ لهذا ننساها.
والحلّ؟
ثمة نصيحة تُعطى: يفترض بنا ربط الأسماء بصورة ما، فإذا تعرفنا على أحدهم من آل نصر مثلاً فلنربط الإسم بعلامة الانتصار، أو من آل نجار مثلاً، فلنربط الاسم بخشب ومنشار، فنخزن الصورة والمعنى فيسهل عندها الإحتفاظ بالإسم في الدماغ. هناك تمرين آخر يُنصح به وهو أنه حين نسمع، في حفل ما مثلاً،
باسم أحدهم، فلنكرر الإسم بصوتٍ عالٍ، مسموع، فنحفظه. أولم نقل أن الذاكرة تحتاج هي أيضا الى تمرين؟ ألم تسمعوا بمقولة: التكرار يُعلّم الشطار؟
هو ذاكرته أقوى من ذاكرتك؟
لا، كلنا نولد بالقدرات الذهنية ذاتها تقريباً اللهم أن نعمل، أو لنقل أن يعمل أهلنا منذ صغرنا، على تدريبنا كيف نهتم بذاكرتنا، بدفعنا الى القراءة، وعلى تذكر الأسماء. في كل حال، للذاكرة سعة محددة، إنها تمتلىء، ومع زحمة المعلومات وتكدس الأحداث قد يبدأ الدماغ بمحو معلومات قديمة لاستيعاب معلومات جديدة. وكلما كان المرء ذكياً، فطناً، والعمر العقلي أكبر من العمر الزمني كانت نسبة النسيان أقل ونسبة الذكاء أعلى.

اقرأوا.. القراءة تفتح لكم المعارف وتنشط الذاكرة والدماغ


تُمسكون بالهاتف في هذه اللحظات؟ تريدون الإتصال بأحد ما لكنكم نسيتم من؟ ذهبتم الى غرفة النوم للإتيان بغرض ما ونسيتم ما هو هذا الغرض؟ تمهلوا، لستم وحدكم من يتصرف هكذا؟ لا، لا تخافوا. ثمة لحظات تنغلق فيها، مؤقتاً، الذاكرة. عودوا الى أمكنتكم. أجلسوا لحظات. وستتذكرون. لا بد أن تعودوا وتتذكروا.

ادوية لحفظ الدروس!
سؤال آخر: نحن على مشارف امتحانات آخر السنة… فهل يُفترض بطلابنا أن يُصدقوا أن هناك أدوية قادرة على أن تُنشط لهم أدمغتهم فيحفظون الدروس بسهولة؟
يستخدم الإنكليزيون، بمعدل واحد من كل عشرة طلاب، أدوية وعقاقير لتنشيط الأداء خلال مرحلة الإمتحانات… ماذا عندنا؟ لا إحصاءات رسمية لكن الصيادلة يجزمون أن السؤال عن مثل تلك الأدوية يزيد كثيرا في هذين الشهرين… فماذا عنها؟

ماذا نأكل؟
لا يوجد علمياً، نكرر، أدوية لتنشيط الذاكرة لكن قد يحصل المرء، طالبا كان أم ناضجاً، بديلا عنها على أدوية محفزة للأعصاب وهي، لسوء الحظ، مضرة صحياً، إذ تجعل المرء يشعر وكأنه مشحون من الداخل. في اختصار إذاً، لا ثقة في أداء كل أدوية تنشيط الذاكرة الموجودة والثقة بانعكاسات أدوية تحفيز الأعصاب السلبية كبيرة. يعني، بكلامٍ آخر، حاولوا اللجوء الى الرياضة الفكرية لإنعاش الذاكرة وانتبهوا الى نوعية ما تأكلون، لأن الغذاء السليم في الجسم السليم، في الذاكرة السليمة، في الدماغ الصحيح… فماذا نأكل؟ وماذا تأكلون؟
غذائياً، يحتاج الدماغ الى أطعمة غنية بمضادات الأكسدة تحتوي على فيتامين «س» و«إي» كما أن تناول النشويات، من خبز ومعكرونة مثلاً، والبروتينات من لحوم حمراء وبيضاء من شأنه تزويد الجسم بالطاقة والحيوية، ما يرفع تركيز المادة الكيميائية في الدماغ التي تعمل على زيادة القدرة على الانتباه والتنبه.
ماذا عن الحلويات والأطعمة المشبعة بالدهون والوجبات السريعة؟
ابتعدوا عنها بعد السماء عن الأرض لأنها تعيق سريان الدم في الشرايين وتُثقل أعضاء الجسم ومن بينها طبعا الدماغ.
المخ، أو لنقل الدماغ، يُمثل اثنين في المئة من وزن الجسم لكن، من يكون بلا مخّ، يكون بلا شيء! ولهذا يفترض أن نهتم بأدمغتنا أكثر طبعاً مما نهتم بأناقتنا وبنوعية مركباتنا وماركات ثيابنا. والمخّ، لمعلوماتكم، يستهلك نحو ثلاثين في المئة من السعرات الحرارية المكتسبة يومياً، والرُضّع، الأطفال الصغار، تستهلك «مخوخهم» نحو ستين في المئة من السعرات التي يحصلون عليها يومياً.
كيف صحتك؟ كيف مخك؟ لا تُصاب بالهلع إن كنت تنسى، فقد تكون مجرد لحظات وتعود وتنشط ذاكرتك… تلتهم أدوية تنشيط الذاكرة؟ إنسها، إرمها، ومارس الرياضة الفكرية فهي تبقى أكثر أماناً وفاعلية. 

نوال نصر

 


 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق