سينما

سلمى حايك في اطلاق «نبي» جبران: «انا لبنانية»

خطفت الممثلة سلمى حايك الأبصار عند حضورها في مهرجان «كان» السينمائي حاملة معها مشروعاً ضخماً لتقديم عمل الأديب اللبناني جبران خليل جبران الشهير «النبي» في فيلم سينمائي بالرسوم المتحركة.

في الوقت الذي انشغل فيه بعض الصحف في الحديث عن حضورها وأناقتها المميزة بفستانها ذي اللون الأحمر، انشغلت حايك بحماس كبير بالترويج لمشروعها الانتاجي الضخم «النبي».
وحرصت أن تقدم في حفل خاص على هامش مهرجان كان مقاطع متعددة من العمل وهو في طور الانتاج، وكل المشاركين في انتاجه، كما استضافت عدداً من النجوم لتحيته ومن بينهم الممثل الفرنسي الشهير جيرار ديبارديو الذي حضر لتحية العمل وجبران في حضور نادر في كان هذا العام.

«انا لبنانية»
واللافت ان حايك رفضت أن تقدم بوصفها ممثلة مكسيكية بل قالت «انا لبنانية أيضاً وأمثل المرأة العربية»، ولعل في هذا التقديم وفي استعادة منجز جبران في هذا المشروع نوعاً من إعادة الاعتبار للحضور العربي في كان الذي بدا باهتاً هذا العام بل ويكاد يكون منعدماً، مع فيلم من انتاج فرنسي هو تمبكتو للمخرج الموريتاني الأصل عبد الرحمن سيساكو وتدور احداثه في مالي ويمكن اعتباره ممثلاً للقارة الافريقية عبر انتاج فرنسي في المسابقة الرسمية لا العربية كما وصفه البعض، وفيلم «ماء الفضة» الذي عرض خارج المسابقة للمخرج السوري اسامه محمد، فضلاً عن فيلم قصير لعمر الزهيري من معهد السينما في مصر.
جمعت حايك لانجاز «النبي» تسعة من أبرز مخرجي افلام الصور المتحركة في العالم ليقدم كل واحد منهم رؤيته لجانب من كتاب النبي لجبران خليل جبران الصادر عام 1923 والذي يضم 26 قصيدة، تناولت موضوعات كالحب، الزواح، الفرح والحزن، العمل، البيوت، الطعام، الحرية، الالم، العقل،المتعة، الكلام،الخير والشر، والموت… وغيرها. وقد اختارت حايك وفريق عملها بعض هذه القصائد لتجسيدها عبر الرسوم المتحركة.
ونجحت حايك التي عملت على هذا المشروع منذ عام 2011، ان تحول حلمها إلى حقيقة مع فيلم بميزانية نحو 12 مليون دولار، ساهم عدد من الجهات في تمويله، من بينها مؤسسة الدوحة للأفلام، مؤسسة ماي غروب لبنان وبنك أف اف أيه الخاص وشركة كود ريد برودكشن وشركات اخرى.
في المقاطع التي شاهدناها من الفيلم بدا أن تراث جبران التصويري، لا سيما تلك الأجساد اللينة ذات المسحة النورانية التي تكاد لا تميز جنسها التي عرف جبران برسمها، شكل خير معين لفناني الرسوم المتحركة لتجسيد لوحاته الرمزية الكتابية وعوالمه الغنية في الفيلم.
واوضحت حايك في تقديمها علاقتها بكتاب النبي الذي كانت تشاهده إلى جانب سرير جدها الذي عرفها عليه، وعندما قرأت الكتاب لاحقاً في عمر 18 سنة واثر بها ظلت صورته مرتبطة بجدها الذي أهدت العمل إليه كما ابنتها الصغيرة فالنتينا، بوصفها ممثلة للأجيال الجديدة التي عليها أن تتعرف على هذا التراث الثري وتنهل منه قائلة «لقد تعلمت الحياة عبر هذا الكتاب وأحلم أنها (ابنتها فالنتينا) عندما تكبر أن تتعلم الحياة كما تعلمت عبر جدي من جبران خليل جبران وشعره وكتابه النبي».


تقنيون وممثلون كبار
وأقنعت حايك مخرج أفلام التحريك الحاصل على الأوسكار وصاحب فيلم «الملك الأسد» روجر اليرز ليتولى الاشراف على المشروع وبناء الإطار السردي أو الحكاية الإطارية التي ستجمع رؤى بقية المخرجين لقصائد جبران في إطار قصة تمثل عظة معينة عن جانب من جوانب الحياة.
لقد بنى أليرز حكايته الإطارية على العلاقة بين طفلة تدعى المترا (وهو اسم شخصية العرافة التي تتعاطف مع المصطفى في كتاب جبران ويحكي لها عظاته وقصائده) تتسلل إلى غرفة شاعر منعزل ومنفي يدعى مصطفى. ويتضح من اختيار الطفلة هدف الفيلم في مخاطبة الأطفال وتقريب كتاب جبران إليهم عبر الرسوم المتحركة.
وإلى جانب أليرز نجحت حايك في جمع مجموعة من أفضل فناني الرسوم المتحركة وخبرائها واعطتهم الحرية لتقديم الشكل الفني الذي يختارونه لتجسيد قصائد النبي (يشارك فنان عربي واحد هو الأماراتي محمد سعيد حريب في هذا الفيلم).
ومن الفنانين المشاركين في المشروع تحدثت فنانة الرسوم المتحركة جوان سي كراتز، (وهي صاحبة تكنيك خاص بها في أفلام التحريك يدعى الرسم بالطين، تقوم فيه باختيار أشكال طينية تقوم بعدها بمزجها مع الألوان ثم تحك خطوطاً دقيقة فيها لتوحي بالحركة وتدفق الصور) عن أنها حاولت في المقطع الذي صنعته في الفيلم العودة إلى رسوم جبران نفسه وكذلك مناخ تأثره بالشعراء الرومانتيكيين ولا سيما الشاعر الانكليزي وليم بليك الذي كان رساماً أيضاً.
وقام فنانا التحريك الفرنسيان المعروفان الأخوان بريسي (بول وجيتان) برسم لوحات القصة التي يستند اليها تطور السرد في الفيلم story board.

موسيقى غبريال يارد
وأشارت حايك في تقديمها إلى أن لوحاتهما للفيلم ستجمع في معرض فني، وعرض في الأمسية مقطع يمثل تسلل هذه اللوحات مع موسيقى الموسيقار اللبناني الأصل غبريال يارد (الحاصل على الأوسكار عن موسيقى فيلم «المريض الإنكليزي»، وواضع موسيقى أفلام أمثال كاميل كلوديل، مدينة الملائكة، بيتي بلو، طروادة وغيرها) الذي وضع الموسيقى التصويرية لمجمل الفيلم وكان حاضرا في الامسية الاحتفائية، وبدت حايك فخورة بتقديمه في الحفل «كلبناني حائز على الاوسكار ايضاً».
وقدم فنان التحريك الايرلندي توم مور مزجاً رائعاً في اخراجه للأغنية المرافقة في الفيلم بين لوحات الفنان غوستاف كليمنت والزخرفة الإسلامية ليقدم مزيجاً تشكيلياً مبهراً وأشكالاً ملونة انسابت بجمالية رائعة مع موسيقى يارد.
وقدم المخرج وفنان التحريك ومصمم الغرافيك الأميركي بيل بلايمتون (وصفته حايك بأنه اسطورة في عالم الرسوم المتحركة) اسلوباً يعتمد على الاقتصاد في الخطوط والأشكال واستلهام بعض أشكال الموروث التصويري الشرقي فضلاً عن استلهام لوحات جبران نفسه.
ولعل أحد اجمل مشاهد الفيلم التي شاهدناها تلك اللقطات التي حاولت ان تجسد فكرة جبران عن الحرية حين تتحول اقفاص الطيور إلى عملاق كبير (رمز الاستبداد) يتبدد لاحقاً إلى طيور حرة، أو مشهد الطيور المربوطة بخيوط إلى الشجرة فتقتلعها وتطير بها.
وجسد اصوات الشخصيات في الفيلم إلى جانب حايك عدد من الممثلين المعروفين بينهم فرانك لانغيلا (الباشا) وليام نيسون (النبي مصطفى).
لقد جسدت حايك في عملها مقولة نبي جبران عن قيمة العمل : «انت – حين تعمل- مزمار. تتحول همسات الدهر في جوفه الى أنغام. ومن منكم يود لو يصبح قصبة خرساء بكماء، على حين تغني الكائنات حوله في توحد وألفة»، فنجحت بحماسها وتقديمها أن تعيدنا إلى جبران وان تستعيد نشيده في عمل جماعي بتوحد وألفه تنم الأجزاء التي شاهدناها منه عن أنه على قدر كبير من الجمال والشاعرية.

(بي بي سي)
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق