آدب

محمد الشَرفي… وداعاً «أبو علي» الفارس المكلل بالشعر والثورة

عندما عرفت برحيل الشاعر والديبلوماسي اليمني محمد الشَرفي غمرني الحزن الشديد، لا لانه من شعراء اليمن الكبار، وصاحب الكلمة الشعرية النابضة بالحياة فحسب، بل لانني عرفته معرفة جيدة، وربطتني به صداقة قوية، بالاضافة الى انه يتميز بالصدق والطيبة والتواضع والشعور الانساني… وقد انعكست هذه المميزات على مؤلفاته المختلفة، سواء الدواوين الشعرية او المسرحيات الشعرية والنثرية معاً. فهو من اولئك الذين ينظمون القصيدة المعبرة عن هموم الشعب، الحاملة في جوهرها الحب والثورة والحرية… قضايا كثيرة كانت تشغل بال محمد الشَرفي، ولذلك تنوعت مؤلفاته وكًثُرت، فالكتابة بالنسبة اليه هي فعل ايمان بالقضية التي ناضل طويلاً من اجلها، وصولاً الى المستقبل الافضل. لقد عاش هذا الشاعر المبدع المعاناة الحياتية والفكرية معاً، وكان يعتبر من الاصوات الجديدة في مسيرة الشعر اليمني والعربي، تلك الاصوات التي تخطت السائد وسارت بعيداً.

في سنة 1987، عندما كنت اشارك في «مهرجان المربد الشعري» في بغداد، التقيت للمرة الاولى بالشاعر محمد الشَرفي، وكان – يومئذٍ – سفيراً لبلاده في العراق، ومشاركاً في «المهرجان».
منذ ذلك الحين، جمعتني به علاقة طيبة، وصرت التقيه في كل مرة ازور فيها بغداد.
كان محمد الشَرفي، اول من يزورني في الفندق الذي كنت اقيم فيه، حاملاً اليّ هدية رمزية، وآخر نتاجاته الشعرية والمسرحية.
وسنة بعد اخرى، عرفت الكثير عن سيرة حياته، سواء الخاصة او العامة، الادبية او الديبلوماسية، وهو الذي عاش تجربة طويلة في السلك الخارجي بين القاهرة وبيروت واديس ابابا وطهران وبغداد…

بحثاً عن محمد الشرفي
وسارت الايام… لقد فرّقت بيننا الظروف. وذات مرة، التقيت في مسقط، بالصحافي اليمني المعروف محمد الزرقا، وسألته عن محمد الشرفي، فقال لي، وباقتضاب، انه حالياً في صنعاء، وهو بخير.
وذات مرة ايضاً، زرت صنعاء، تلبية لدعوة تلقتها مجلة «الاسبوع العربي» بمناسبة انتخابات الرئاسة في اليمن، في عهد الرئيس السابق علي عبدالله صالح. وهناك، سألت محمد الزرقا نفسه عن محمد الشرفي، كما انني سألت غيره ايضاً، ولكن سؤالي بقي بلا جواب! وفتشت عن اسمه في دليل الهاتف، ولكن بلا جدوى!
كنت اعرف مدى شراسة محمد الشرفي في محاربة العهد البائد، وكنت اعرف ايضاً، انتقاداته لحكم  علي عبداللّه صالح، ولذلك شعرت وكأن هناك نوعاً من التعتيم على كل من يحاول ان يتخطى الحدودالمرسومة له!

عشرون سنة في الريف
عرفت منه، ان في اليمن عشرات من الناس يحملون اسم محمد الشرفي، وذات مرة، ادخل الى السجن، ثم اعتذروا منه، باعتبار ان المقصود كان محمد الشرفي الذي يعمل في احدى الوزارات!
أبصر نور الحياة في مدينة الشاهل، التي تتميز بالموقع الفريد، على غرار سائر المواقع في اليمن، وذلك في شهر كانون الثاني (يناير) سنة 1940. وهذه المدينة كما وصفها لي محمد الشرفي: «تقف على قمة جبل الشاهل، كأنها واقفة على مناخير النسور، تتسلق اكتافه البروق، والصواعق، والظمأ، والجفاف، والامراض الوبائية».
من هنا، عرفت انه من اصول ريفية، عاش مراحل الطفولة الاولى في الريف، وفي الشاهل بالذات، مدة تسع سنوات بين الفقر والحاجة والحرمان… ومن ثم، انتقل مع امه واخوته الى العدين، مقر عمل والده، حاكم الناحية، مروراً بمدن ومناطق اخرى، وصولاً الى التحاقه بالمدرسة العلمية في صنعاء، سنة 1956، وهناك تزوج ام اولاده الاربعة.
وبشكل عام، عاش محمد الشرفي اكثر من عشرين سنة من عمره في الريف، وان كان الريف –  آنذاك – لا يختلف كثيراً عن المدينة، شكلاً ومضموناً. وضاق ذرعاً ببيئة الريف المحدودة، حيث كان الاحتكاك برياح العصر الثقافية قليلاً ونادراً. وكان والده يعلّمه في الكتب التي تؤهله لان يكون حاكماً – اي قاضي شرع – مثله. ولكن ذلك، لم يمنع من ان يتأثر ويلتمس شيئاً من هموم العصر والانسان اليمني، وبالقضايا الوطنية والثقافية المعاصرة.

ابن القاضي الذي صار شاعراً
منذ البداية كان الشعر بالنسبة اليه، مفاجأة، او مصادفة، لم يبحث عنها، ولا كان يعرف انه سيكون شاعراً. من هنا، قال لي: «قد يجوز ان أبويّ، فرحا عندما سمعا اول مقطوعة شعرية لي، ولكنهما لم يتفاءلا كثيراً، لان والدي – رحمه الله – اراد ان اكون قاضياً مثله. فقد كان قاضي شرع، وفي النهاية، كان عضو المحكمة العليا للاستئناف».
في ذلك الحين، كانت دواوين الشعر العربية، من بيروت والقاهرة ودمشق وبغداد، تتسلل اليهم نادراً، وكانوا يلتهمونها ويتناقلونها، واحياناً ينسخونها بأيديهم!

انا محمد الشرفي اسلوباً ومعاناة وقضايا
وكان لعدد من الشعراء، من امثال: عمر ابو ريشة، ومحمد مهدي الجواهري، وسليمان العيسى، والاخطل الصغير، وابو القاسم الشابي، وبدوي الجبل، ومحمد محمود الزبيري، وعلي محمود طه، وابرهيم ناجي، وغيرهم… اثر كبير على تجربته وبواكير الشعر لديه.
وامثال هؤلاء الشعراء كانوا بالنسبة اليه «هم رئه العصر المطل بأضوائه وهمومه، وانفاس الشعر المتصاعدة من جوف القضايا الوطنية الملحة، واشواق المرحلة الزاحفة بقوافل التغيير… وقد كنت مع هؤلاء كالعصفور الظامىء، الجائع، ارتحل الى كل زهرة، واتنفس واهيم على كل غصن، ارشف جرعة من جدول حديقة، واعبّ جرعات اطول من ساقية بستان…».
وكان يقول لي: «قد تجدني في دواويني الاولى متأثراً بشاعر او بآخر، ولكنني في النهاية، انا محمد الشرفي اسلوباً ومعاناة وقضايا».
في قصيدته الطويلة «هم هولاء» المنشورة في ديوان «السفر في وجع الكتابة واشواق النار» يقول:
هم هؤلاء…
من سرقوا.. ويسرقون النهر لونه
ووجهه الجميل…
واحرقوا.. يحرقون وردة الضحى
واقحوانة الأصيل…

للمرأة حصة الاسد في شعره
منذ البداية اتسمت تجربته الشعرية بالهموم الوطنية والقومية، وبالبساطة… وباستطاعتنا القول انه لم يقع في ما وقع فيه بعض الشعراء، من تجارب الشعر الاطرائي والمديحي للسلطة والحكّام والطغيان… وكان للمرأة حصة الاسد في شعره، وذلك من خلال اكثر من ثمانية دواوين، وخصوصاً بعد تفجر الثورة اليمنية في السادس والعشرين من ايلول (سبتمبر) سنة 1962، حيث وجد ان المرأة كانت غائبة عن المسرح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وكأن الثورة قامت من اجل الرجل فقط، بينما المرأة هي الاكثر ظلماً واضطهاداً. وكان اول ديوان له في هذا المجال، اسمه «دموع الشراشف»، وهو صرخة قوية في وجه الرجل…
وتلا هذا الديوان، دواوين اخرى، في الموضوع نفسه، مثل: من اجلها 0 ولها أغنّي – منها واليها – الحب مهنتي – وهكذا احبها – الوصية العاشرة ان تحب – صاحبي وأناشيد الرياح…
يقول في مطلع قصيدة بعنوان «النائمة» من ديوان «الوصية العاشرة ان تحب»:
حبيبتي مرهفة ونائمه
تحلم بالصباح والهوى
والأمنيات الحالمه
على جبينها من الرؤى
سحابة ممطرة
وجدول من الأغاني الباسمه
وقبلة جديدة في فمها.

ومن دواوينه الاخرى: أغنيات على الطريق الطويل – الحب دموع والحب ثورة – من مجامر الاحزان – من مملكة الأماء - ساعة الذهول…
اما في مجال المسرح الشعري والنثري فله: في أرض الجنتين – حريق في صنعاء – الانتظار لن يطول – الغائب يعود – موتى بلا اكفان – الطريق الى مأرب – من مواسم الهجرة والجنون – العشاق يموتون كل يوم – المعلّم – ولليمن حكاية اخرى – العجل في بطن الامام – المرحوم لم يمت…

15 سنة بلا حذاء!
كما تجربته الشعرية التي تميزت بالبساطة، كذلك تجربته الحياتية، فهو من أسرة بسيطة – من الناحية المادية – فوالده، بالرغم من انه كان قاضي شرع، الا انه كان يمارس الفلاحة، وكذلك أمه، ومثلهما قاسى محمد الشرفي في سنواته الاولى، شظف العيش المرّ، وهو يذكر، انه لم يلبس حذاء الا بعد تجاوزه الخامسة عشرة من عمره، وكان على قميصه (الدشداشة) التي يلبسها، اكثر من عشرين رقعة!
من هذه الحياة البسيطة، العادية، بدأت مسيرة محمد الشرفي، وانطلقت تجربته الشعرية، وحقد كثيراً على الاوضاع – آنذاك – التي جعلت شعباً بكامله يعاني من الفقر والجهل والامراض والطغيان، سنوات طويلة من عمر الزمن!

الشعر مثل جدائل حسناء… والهموم واحدة
كان محمد الشرفي ينظر الى الشعر باعتباره حاجة روحية وفنية للانسان، مثل الموسيقى، مثل الزهرة، مثل بستان الكرز، مثل الدوحة الوارفة، مثل البحر، مثل جدائل حسناء وعينيها الجميلتين.
وكان يعتبر، ان ليس هناك قصيدة يمنية واخرى لبنانية مثلاً، بل ان القصيدة في كل العالم العربي قصيدة عربية تنطلق من هموم واحدة، من الاطلسي الى اقصى الجزيرة العربية.
وكان يرى، اننا جميعاً، هنا وهناك، نغترف من بئر واحدة، وندخل في بحر واحد، ونرسوا في النهاية على شاطىء واحد.
وداعاً «أبو علي»، ايها الفارس اليمني المكلل بالشعر والثورة، وبالحب والوفاء.

اسكندر داغر
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق