آدب

منيف موسى: الفيتوري شاعر متميّز ورائد الكلاسيكية المتطورة

خلال جلسة خاصة بيني وبين الشاعر الدكتور منيف موسى، تذكرت واياه صديقنا المشترك الشاعر العربي الكبير محمد الفيتوري، الغائب عن المشهد الشعري منذ سنوات عدة… وذلك بسبب المرض الذي يعاني منه في المغرب. ونحن نتمى له الشفاء والعمر الطويل. في هذه الجلسة استحضرنا علاقاتنا وذكرياتنا مع الفيتوري الذي كنّا نلتقي به في اكثر من عاصمة عربية، وخصوصاً في بيروت التي عاش فيها مدة من الزمن، وبشكل متفاوت، تارة كشاعر وكدرويش متجوّل يتردد الى مقاهي شارع الحمراء البيروتي، ويعتلي المنابر ملقياً قصائده المشرقطة والغاضبة امام الجماهير الحاشدة… وطوراً كديبلوماسي عربي برتبة سفير لبلاده. لقد عشق الفيتوري بيروت، وفيها كتب اروع قصائده، وله فيها ذكريات من كل نوع ولون… واصدقاء كُثر. من هنا، جاءت فكرة الحوار التالي مع الدكتور منيف موسى، يروي فيه مسيرة الفيتوري الشعرية، وتجربته الرائدة. ومنيف موسى هو خير من خاض في هذا الميدان، ورأى ما غاب عن بال النقاد، عبر نظرته البعيدة المدى والخارقة للنصوص.

الى متى تعود معرفتك بالشاعر محمد الفيتوري؟
تعود صلتي بالشاعر محمد الفيتوري الى اواخر العام 1969. وذلك عندما وقف هذا الشاعر على منبر قاعة قصر «اليونسكو» في بيروت يلقي قصيدته الى الاخطل الصغير في مهرجان تأبيني لشاعرنا اللبناني. وقد شارك في هذا المهرجان نفر من شعراء العرب المعاصرين.
ذاك اليوم، غنّى الفيتوري لبنان شعراً اروع ما يكون الشعر. وقد مجّد لبنان تمجيداً لا نكاد نلمح مثله عند الشعراء اللبنانيين. ومما قاله الفيتوري يومذاك:
… أنتَ في لبنان
والخلد هنا
والرجال العبقريون اقاموا
حملوا الكون على أكتافهم
ورعوا غربته وهو غلامُ
غرسوا الحبَّ، فلما أثمر الحبُّ
أهدوه الى الناس وهاموا
شعراء ومغنين
وأحلى أغانيهم على الأرض السلام.

الى ان قال:
… أنت في لبنان
والشعر له
في ربى لبنان عرش ومقام
شاده الاخطل قصراً عالياً
يزلق الضوء عليه والغمام.

هنا صفّق الرئيس شارل حلو (وكان آنذاك رئيساً للجمهورية).

الحرية والثورة وكرامة الانسان
ما هي المعالم البارزة في مسيرة محمد الفيتوري الشعرية، حسب رأيك؟
ان دواوين الفيتوري الأولى: أغاني افريقيا – اذكريني يا افريقيا – معزوفة لدرويش متجوّل – وقصيدته الطويلة «سقوط دبشليم» كانت المعالم البارزة التي ثبتت اقدام الفيتوري فوق ارض الشعر العربي المعاصر، الى جانب كونه الصوت المميّز والفريد الذي عالج قضية الصراع بين الابيض والاسود فوق ارض افريقيا، فوقف نِدَّ سنغور، وديفيد ديوب، وول شوينكا، الشعراء بغير اللغة العربية في هذه الأُحدوثة – ونحن نعلم ان شعبنا العربي ليس عنصرياً – فكان الفيتوري صوتاً ثوريّاً صارخاً، وعلامة فارقة في تأصيل مفهوم الزنجية في آداب القرن العشرين عند العرب!
هذا الشاعر المرهف الحساسية تعبق في كيانه الانساني والشعوري درجة مرهقة من الاحساس الذي يتأثر بأقل نبأة. وهو نفسه يقول: «لم تشقني الا حساسيتي». من هنا كان تعلّقه بالقضايا الوطنية والانسانية، عربية او غير عربية… وهذه «الحساسية» مشدودة الى الحرية والثورة من اجل كرامة الانسان.

عاشق المرأة من طراز فريد
كما تعرف جيّداً، فالى جانب تعلّقه بالقضايا الوطنية والانسانية، فانه تعلّق بالمرأة ايضاً، وغنّى لها أعمق قصائد الحب… فكيف تنظر الى هذه الناحية من شعره؟

الفيتوري الذي غنّى كثيراً وتشرّد كثيراً واضطهد كثيراً، لا يزال صاحب صوت ذي نبرة حادّة أخّاذة واشواق حارّة. فهو الى جنب شعر المقاومة والوطنية والنضال يتحرّق في محراب المرأة، وفيه نهر من الأشواق يترجّح بين الارض والسماء. يقول الفيتوري:
أعيدوا العزف
إن حبيبتي تصغي
وبي نهر سماويّ
من الأشواق لا يفنى.

فالفيتوري عاشق المرأة من طراز فريد. وهو نفسه يصرّح بأنه لا يستطيع الكتابة اذا انقطع عن الحب، فالحب بالنسبة اليه ماء ينعش صحراء نفسه. وهو في شعر الحب يمزج المرأة بالوطن وبالانسان. وهو مُحِبّ للمرأة التي تؤكد شاعريته. فمن خلال علاقته بالحب يوظّف المرأة في سبيل الفن – الشعر. ويجب ان تكون المرأة عنده من طراز «جدّته» التي خلقت في نفسه عوالم الحب والبطولات والاساطير.

رائد كلاسيكي لحركة الشعر الحر
كيف تحدّد موقعه في خريطة الشعر العربي الحديث، وما هي السمة البارزة في شعره؟

الفيتوري نفسه يحدّد هذا الموقع كالآتي:
صناعتي الكلام
سيفي قلمي
وكل ثروتي شعور ونغم.

وهو منذ صغره بدت عيه علامات النجابة والشاعرية. واكد استاذه – آنذاك – في كلية دار العلوم الدكتور عبد الحكيم بلبع، ان هذا الشاعر يتمتع بموهبة خارقة.
بدأ الفيتوري حياته الشعرية شاعراً كلاسيكياً. ثم انه بعد صدور ديوانه الاول «أغاني افريقيا» صمت طويلاً. ووازن نفسه بين الطريقة الكلاسيكية وطريقة الشعر الحرّ. فاضطرب عنده المسار الشعري. فعاد يكتب شعره بالطريقة الكلاسيكية الموزعة توزيعاً حديثاً وحرّاً. فميله الى التجديد في الطريقة كان من قبيل التحوّل الذي كان سائداً في حركية الشعر الحرّ. لذلك، يمكن ان يُعَدّ الرائد الكلاسيكي لحركة الشعر الحرّ. وهو يقف الى جنب جمهور من الشعراء الحديثين في عملية تحديث الشعر العربي. لكنه يتميز عنهم بالعنف والثورة والغضب والموسيقى الصاخبة حيناً والهادئة حيناً آخر. فاننا نسمع في شعره اصداء طبول «التام تام» وهدير النيل وارتجافات الدفوف ورنين النحاس، مثلما نسمع ابتهالات المتصوفة ونستشفّ اشراقات المتهجّدين.
اما السمة البارزة في شعره فهي الغضب. وأشدّ ما يلفت عند الفيتوري القاؤه الشعر. فهو عندما يقرأ شعره تحسّ كأنه يجوّد القرآن الكريم، وهذا دليل على اصولية الموسيقى الشعرية في نفس هذا الشاعر. ومهما كان الشكل الذي يكتب به، فهو لا يخرج عن تفعيلات الخليل، ولا يتجرّد نهائياً من القافية. فالفيتوري يغني شعره غناء. وشعره «قرين صوته وغنائه».

تجديد من داخل التراث
كيف يتعامل الفيتوري مع الحداثة؟

في الحداثة، لا يهتم الفيتوري كثيراً في هذا الموضوع من ناحية التنظير، ولكنه – تلقاءً – يجري في هذا المضمار. فهو يجدّد من داخل التراث على موضوعات تهمّ انسان اليوم. فلا يفلت  في المطلق، ولا يضلّ في متاهات باسم الحداثة. بل تراه مشدوداً الى اصولية الشعر العربي، مع قناعته – اليوم – بجدوى الطريقة الجديدة في الشعر. وهو في شعره يتميّز بقدرة خارقة على ابراز جميع التفاصيل وتجسيده الرؤى واصطناع الصور، وشعاره:
اكتب… اكتب. لا تترددّ
اكتب… فالكلمة تتوقّد
اكتب… فالكلمة تتجسّد.

ذاك ان التلاحم العضوي والفني مع لغة الشعر الحديث هو ما يستنفد جهد الشاعر المعاصر ويشكّل القدر الاكبر من معاناة اللغة وموسيقى الشعر. لذا يقف الفيتوري على رأس رعيل الشعراء الروّاد الذين حقّقوا للشعر الحديث والمعاصر نقلة نوعية فيها الكثير من الاصالة والابداع.

دور مهم في مسيرة الشعر الحديث
ما دور الفيتوري في مسيرة الشعر الحديث، وما الذي يشغل باله؟

هذا الشاعر الذي مرّ بمراحل شعرية من كلاسيكية، الى رومانسية، الى واقعية، الى واقعية اشتراكية، يمثّل دوراً مهماً في مسيرة الشعر الحديث. فالفيتوري منذ المرحلة الافريقية يحاول دائماً ان يوفّق بين الشكل والمضمون، بين القالب والبُعد الانساني لدور الشعر. بل ان المضمون يكاد يشكل البُعد الاساسي  لشعره. وهمّه الانسان في كل معاناته. وان المضمون هو الذي يُحدّد الشكل النهائي للشعر – القصيدة. فالشعر عند الفيتوري هو التفاعل الصادق بين الشاعر والجماعة. فقضية الجماهير في معاناتها وآمالها وأمانيها هي التي تشغل بال الفيتوري. من هنا يرى نفسه من خلال الجماهير ويراها – تالياً – من خلال نفسه. فشعر الفيتوري يحمل صبغة صاحبه وصبغة الاحداث والقضايا في الوطن العربي بل في العالم كلّه. من هنا، كان طموح الفيتوري لان يكون من طراز بابلو نيرودا، وناظم حكمت، وطاغور.
وتكمن الخصوبة في شعر الفيتوري في المناخ الدرامي الخاص الذي يتمتع به وفي فسحة الغضب الكامنة في اعماق نفسه، فهو متفرّد الحساسية، مرهف الشعور، شفّاف التأثر. وهو الشاعر الذي طلع علينا من غابات افريقيا وحقولها بكل نغمتها. وهو يتمتع بصفاء شعري نقله من ثورته الافريقية الى مرحلة الصفاء النوراني ذي البُعد العربي والعالمي. وهذا الصفاء لا ينتج شعراً الا متى كان الفيتوري في مرحلة حب جارف. فالمرأة – عنده – قرينة شعره وغضبه وصفائه. والعلائق بين الشاعر والغضب والصفاء والمرأة تحدّد شاعرية الفيتوري المتميزة من حيث استخدامه اللغة بكل اصولها التي تحدّد الشكل والمضمون…
وهكذا بات الشعر مع محمد الفيتوري – وبأي شكل أتى – يشكّل سمة بارزة من سمات حركة الشعر الحديث، والشعر الحرّ منها، وركيزة لها معالمها التي راحت تثبت حيويتها في حركة النقد الحديث وقضية الصراع بين القديم والحديث في الشعر اليوم.
والفيتوري لا يزال محافظاً على الكلاسيكية المتطورة داخل الحركة الشعرية الحديثة، ولذا هو الرائد الكلاسيكي لحركة الشعر العربي الحديث.

اسكندر داغر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق