تحقيق

هذه كلفة مشاركة حزب الله في سوريا!

في حسابات قادة الحزب «النصر آت»، وفي قراءة البعض الآخر لا بد أنه تحقق في معركتي القصير ويبرود. لكن على مستوى قاعدة «حزب الله» وعلاقاته السياسية في الداخل اللبناني والإقليمية والدولية شيء ما تغير على خلفية تدخله في سوريا إلى جانب النظام. ماذا على المستوى العسكري؟ الأرقام غير دقيقة لجهة الخسائر البشرية، لكنها حتماً مكلفة، لا سيما على مستوى النخبة. من مقاومة في وجه العدو الإسرائيلي إلى مقاومة الشعب السوري الذي اطلق ثورته بحثاً عن مساحة حرية، تحول كان كافياً للسؤال: ماذا كلفت حرب «حزب الله» في سوريا وما هي النتائج التي سيحصدها بعد خروجه من ارض المعركة في سوريا؟ طبعاً إذا خرج!.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لم تكن الحرب في سوريا عملية سهلة لـ «حزب الله» ولن تكون اذا استمر في قتاله، غير أن الصراع القى الضوء على آداء الحزب وقدراته القتالية. فمنذ البداية طرحت مشاركة «حزب الله» في الحرب في سوريا أكثر من سؤال عن مدى نجاحه وخسائره والتحديات والتداعيات الناجمة عن هذا التدخل، فضلاً عن دوره في تدعيم نظام الرئيس بشار الأسد. ويقدر خبراء عدد قواته المشاركة في الحرب في سوريا بنحو 4 آلاف من قوات النخبة والقوات الخاصة، ساعدت على استعادة قوات بشارالأسد لقدراتها الهجومية. كما لعب الحزب دوراً أساسياً في تدريب نحو 50 ألفاً من القوات السورية غير النظامية، وجعلها حاسمة لبقاء النظام.
لكن تدخل الحزب أبرز تحديات عدة له، لا سيما بالنسبة إلى الخسائر الباهظة التي مني بها، إذ يقدر عدد القتلى ببضع مئات، بينهم قياديون، اما الجرحى فبالآلاف، فضلاً عن نكسات تكتيكية كون الحزب يقاتل في بيئة معادية، وبأساليب لم يعتد عليها. حتى انه فوجىء بمقاومة شرسة من قبل أعداء لم يسع إليهم ولم يكن مستعداً لقتالهم، لا سيما في القصير وضواحي دمشق، وبات ينظر إلى الحزب في المناطق السنّية على أنه محتل يواجه بمقاومة مسلحة، وبدأ المتطرفون بالانتقام من خلال التفجيرات التي تضرب حاضنته الشعبية في لبنان.
في اي حال فإن تحديد العدد الفعلي لقوات حزب الله المشاركة في القتال في سوريا، وكذلك ضحاياه، يعد أمراً في غاية الصعوبة. وتشير بعض التقارير إلى أن أعلى عدد تقديري لقوات الحزب التي تشارك في  القتال في سوريا بلغ نحو 10000 مقاتل، لكن من المرجح أن هذا الرقم يعكس العدد الإجمالي الذي تناوب على الذهاب إلى سوريا، وليس العدد الموجود في وقت واحد. اما الضحايا فلا ارقام دقيقة، لكن مشهد مواكب التشييع في مناطق «حزب الله» والقرى الجنوبية تؤكد أنه مرتفع.
إذاً الكلفة كبيرة، ولا نقاش على هذا المستوى. فماذا في التفاصيل؟

تفكك تململ وخسائر
العميد المتقاعد نزار عبد القادر يتكلم من خلفياته العسكرية وقراءته للموضوع على المستويين الشعبي والسياسي: «على المستوى الشعبي هناك تفكك في القاعدة الشعبية الكبيرة التي كانت تؤيده على مستوى العالم العربي واللبناني. فالحزب وعلى رأسه امينه العام السيد حسن نصرالله كان يقول بأنه يقاوم العدو الإسرائيلي من الجنوب، إذا به يتجه نحو شمالي لبنان وتحديداً نحو الشعب السوري الذي يطالب بالحرية. اكثر من ذلك هو استعمل قواته ضد امن واستقرار مطالب شعب عربي له من التضحيات في تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي مما يؤكد أنه ساهم في قهر هذا الشعب. وهذا له تأثيره السياسي والمعنوي على «حزب الله» ومستقبله».
نصل إلى الخسائر البشرية، وهنا تتحول نبرة العميد المتقاعد إلى لغة فيها الكثير من الحسم العسكري. ويقول: «الخسائر البشرية كانت كبيرة لا سيما على مستوى النخبة حيث أنه يشترك في قتال متقارب وطويل ومستمر وعلى أكثر من جبهة مما يتسبب له بخسائر بشرية. ومعلوم أن هذه النخب اعدها الحزب تحت شعار مقاومة إسرائيل. وهذا ي
ؤثر على قاعدته الشعبية الحاضنة التي تخرج منها المقاتلون. قد تكون الخسائر مقبولة حتى الآن لكنها في طريقها لأن تكون كارثية على القاعدة التي يعتمد عليها حزب الله».
إذا كان الإنتقاد الشعبي لا يزال يجري همساً، إلا أنه بدأ يتظهر في شكل تململ، ويؤكد العميد المتقاعد عبد القادر أن أصواتاً ستخرج وتطالب بخروج «حزب الله» من هذه الرمال المتحركة السورية التي تستنزف قواته العسكرية وكذلك الجهد
العسكري الذي تمكن من بنائه خصوصاً بعد حرب تموز (يوليو) 2006.

  نحو الاسوأ
إلى هنا يمكن أن نفهم مدى حجم الكلفة التي ارتدت على الحزب وشعبيته وهي تتجه نحو التفاقم. لكن الذهاب في التحليل إلى أبعد من ذلك ينذر بالأسوأ على مستوى الوطن ككل «أخشى أن تستغل إسرائيل ضعف قدرات «حزب الله» العسكرية فتأخذه من الخلف (أي من الجنوب) عندما تدرك أنه وصل إلى مرحلة الإستنزاف.
وفي ذلك تكون قد ثأرت من العام 2006. ليس هذا وحسب فالحزب في مشاركته في الحرب إلى جانب النظام السوري سيورط لبنان بمزيد من العمليات الإرهابية، وهذا ما حذر منه وزير الخارجية جبران باسيل في مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي سبق القمة التي عقدت في الكويت بقوله أنه يخشى ان يتسلح اللاجئون في لبنان ويدخلوا في معارك وعمليات الى جانب المعارضة. عندها نكون «انجرينا» إلى قتال لبناني- سوري على الأراضي اللبنانية. هذا عدا عن الخشية من الدخول في فتنة سنية-شيعية من خلال عرسال التي تشكل قنبلة موقوتة نظراً إلى عدد اللاجئبن السوريين فيها واحتمال أن تفتح من هناك جبهة مع «حزب الله»، وبذلك يكون الحزب قد تسبب بالفتنة وعليه أن يتحمل مسؤولية مثل هذا الأمر». ويختم عبد القادر برجاء أن لا تتحول هذه الترجيحات إلى واقع «لكن لا استبعد هذا المشهد إذا بقيت عرسال تعج بالمعارضين للنظام».
من القصير للدفاع عن مقام السيدة زينب إلى يبرود لوقف زحف الإرهابيين إلى الداخل اللبناني. تحت هذين العنوانين حاول «حزب الله» اقناع اللبنانيين بحجة مشاركته في الحرب الدائرة في سوريا. لكن ماذا بعدهما؟

امتعاض وهواجس الطائفة
الشيخ صبحي الطفيلي، الذي كان زعيما ًلحزب الله من العام 1989 إلى العام 1991، قال في احد  تصاريحه لوكالة «رويترز» إن قرار تدخل «حزب الله» في سوريا كان في يد جمهورية إيران الإسلامية. وهو يدرك ذلك كونه كان الأمين العام للحزب «وأن البديل كان خوض مواجهة مع الإيرانيين. أكثر من ذلك أعرف أن اللبنانيين في «حزب الله» والسيد حسن نصرالله أكثر من أي احد آخر غير مقتنعين بهذه الحرب».
الأصوات المنتقدة قوبلت بالتجاهل وأسكتت في نهاية الأمر. لكن الإمتعاض موجود «بدليل أن هناك هواجس كبيرة لدى الطائفة حول نتائج تدخل «حزب الله» في سوريا على المدى البعيد وعلى علاقة الطائفة مع النظام الجديد والطائفة السنية». من هذه النقطة الإستراتيجية ينطلق المحلل في علم الجيوبوليتيك د. فادي احمر في قراءة كلفة تدخل «حزب الله» في سوريا ويقول «مما لا شك فيه ان الحزب خاض مغامرة كبيرة وارتكب خطأ استراتيجياً لأنه خاض الحرب في سوريا كحزب لبناني، وبذلك سيدفع الثمن مستقبلاً على المستويين العسكري والسياسي وعلى مستوى الطائفة ككل. وحتى لو حصلت تسوية ما على المدى البعيد إلا أنه سيصطدم ولو بعد 50 عاماً بنقمة السنة وسيسمعهم يقولون «أنت قاتلتنا كشيعي».

  ربح آني
ويضيف فادي احمر: «قد يكون «حزب الله» حقق ربحاً في معاركه في سوريا، لكنه ربح آني». اما على المستوى الداخلي فالواضح «أنه فقد الإجماع حتى من قبل حلفائه وابرزهم النائب ميشال عون وهذا يتجلى في عدم تطرق الأخير إلى موضوع تدخل «حزب الله» في سوريا لأن حجته ستكون ضعيفة. ولفت إلى أنها المرة الأولى، التي يضرب فيها «حزب الله» في قلب مربعاته الأمنية بعد قصفها بالطيران الإسرائيلي، مما يؤكد على وجود خرق أمني في مكان ما».
على مستوى علاقاته مع الحلفاء في وجه إسرائيل، ومنها حماس والجهاد الإسلامي، أوضح أحمر أنها في حكم المقطوعة «كونهم جماعات سنية وحماس لم تدعم النظام لا بل قيل إنها ساندت المعارضة في القصير. أما عربياً فإذا كان هناك من يؤيد الحزب حتى العام 2010 إلا ان احداً اليوم غير مستعد لمد يده إليه لأن ما يقوم به يناقض تماماً مفهوم مقاومته في وجه إسرائيل».
قد يكون لمعادلات الربح اوزانها تماماً كما الخسارة. لكن الثابت أنها في مسألة تدخل «حزب الله» في سوريا إلى جانب النظام كانت الأرجحية لمنسوب الخسارة لا سيما على مستوى القاعدة الشعبية وتداعياتها على الوضع الإقتصادي داخل اسواق الضاحية ومربعات حزب الله. وإذا سلمنا ان الحزب هو وراء صمود النظام السوري وهو من يضع يده على مفاصل الدولة بقوة السلاح إلا أن التململ الحاصل داخل الطائفة الشيعية وتحديداً داخل قاعدة الحزب الشعبية لا بد وأن يتحول إلى نقمة خصوصاً إذا قرر متابعة التدخل إلى ما بعد يبرود. والواضح أنه سيكمل مساره القتالي حتى يأتيه الأمر بالإنسحاب.
عسى الا يكون الوقت متأخراً لأن الحصار الأسود بدأ يتظهر. فكيف إذا طال امد بقائه في سوريا؟ «الآتي أعظم». صدقوا.

جومانا نصر 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق