الأسبوع الثقافي

وجيه نحله… حمل ألوان الشرق الى الغرب والعكس

وجيه نحله، الثمانيني المبدع، الحامل هموم الفن والوطن والحياة، ما زال يمارس الرسم بحب وشغف  وصدق، ويعمل في محترفه مدة 18 ساعة في اليوم. هذا الفنان التشكيلي الذي انطلق من السفح الى القمة، ومن الكوخ الى القصر، ومن العتمة الى الضوء، ومن بيروت الى مختلف عواصم العالم ومدنه ومتاحفه، حاملاً الى الغرب ألوان الشرق، والى الشرق ما غاب عنه من ألوان الغرب، هذا الفنان المثير للجدل، الذي يواجه النجاح والشهرة بتواضع الدراويش، يعرف جيداً ان المعرفة لا حدود لها، ومهما عرفنا نظل نبحث ونجّرب، ولذلك فهو دائم البحث والتجريب. وعلى مدى 60 سنة، رسم آلاف اللوحات التي تنتمي الى مدارس ومذاهب وانواع تشكيلية عديدة، حتى صارت لوحته الخاصة تحمل البُعد العالمي والكثير من الدلالات والايحاءات والجمالية. وبعد تكريمه في اكثر من مناسبة، في لبنان، والعالم العربي، والعالم، كرّمته «مؤسسة ناجي نعمان» في احتفال يليق به، وعقدت ندوة تناولت سيرته الطويلة واعماله الكثيرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

استهل الندوة صاحب «المؤسسة» الأديب ناجي نعمان قائلاً، ان المحتفى به «زامل الأزميل، وصاحبَ الريشة، فطوعهما، وصاغ بهما ابداعات واشراقات ونورانيات».

حالة نادرة في الحركة التشكيلية
ووسط لوحات معروضة من اعمال وجيه نحله، تكلم الفنان التشكيلي حسن جوني في زميله، معتبراً ان مسيرته تشكّل حالة نادرة في حركتنا التشكيلية. فنان متعدد الانشطة الابداعية، فهو الرسام النحات الحفّار المزخرف الخطاط. فهو من خلال ذلك كله يعيش حالات تحّدٍ دائم لذاته ولوسائط منجزاته… انه مثير في ما يستنبط، ومدهش في ما يلقاه، وبديع ما نراه في معارضه.

بين الفن الغربي والفن العربي
وانتقل حسن جوني الى الحديث عن التيار الذي تنتمي اليه لوحة الفنان وجيه نحله… فمن نقطة يولد الحرف  وتتجمع الحروف  لتصبح كلمات وجُمل…
 ويرى، ان المفارقة بين الفن الغربي والفن العربي جوهرية في الشكل والمضمون، لكنها واحدة في التفعيل والانفعال التعبيري. الفن الغربي يعتبر ان تجسيد الواقع هو استدراج الواقع الما خلف ما نراه الى مشاهدته جليّاً امامنا. الفنان الغربي يرينا اللامرئي في المدرك الماثل في لوحته. الفن العربي – الاسلامي، تخطيط دون تظليل، وتلوين دون تحجيم، الفن العربي مجرّد.. الفن الغربي مجسّد. الفنان الغربي رسم ما خلف الواقع في المرئي… الفنان العربي رسم المرئي كي يوصلنا الى اللامرئي.

 روّض الخط حتى أرقصه وطيّره
في ضوء ذلك، تساءل حسن جوني: ماذا قدّمه الفنان وجيه نحله؟!
فيجيب: طوّر رسم العنصر التخطيطي، حرّكه مستعملاً فرشاة عريضة بدل ما كان يُستعمل من أقلام مسننه، ضغط الفرشاة على القماش في مطلع الحرف وراح يخفف من ضغطه وصولاً الى تلاشي الحركة واللون محدثاً تجسيداً بات بعد ذلك يضم حروفاً الى بعضها، خالقاً حركات هي أقرب الى أصوات اوبراليّة في سديم مضيء، وكررّ ذلك في معظم
ما رسم من بشر وشجر وحجر، جاعلاً للخط ومنه ظلاً وتلك مأثرته المهمة.
وخلص الى القول، اذا أعدنا النهر الى النقطة الاولى والحرف الى لوحة وجيه نحله نجد المنطلقات واحدة، فوجيه نحله ليس غامضاً كالسوريالي ولا قلقاً كالتعبيري ولا مبتهجاً بالضوء كالانطباعي، هو الذي روضّ الخط حتى أرقصه وركبّ فيه أجنحة حتى طيّره. لوحاته سرب كلمات استحالت طيوراً تبحث عن شمس في خريف  العمر … في شتاءاته القاسية.

  انسان خرافي وطبيعة نارية
الصحافية والروائية مي منسى استهلت كلامها بالقول، ان لمن تسنى له الدخول الى محترف وجيه نحله ساعة يحل الوحي على
ريشته ورآه على سلّمه يهم بالتحليق الى آفاق كونية وزاده فرشاة ودلو وألوان، يدرك ان هذا الانسان خرافي، لا يكاد يطأ الارض عائداً حتى يتلقى من الكون نداء يدعوه الى الرحيل حيث تصبو اليه نفسه الظمأى الى ما لا حدود، الباحثة عن قوة تفوق المرئي والملموس.
ترى مي منسى، ان لكل مبدع ولادتين، الاولى من طبيعة الحياة هي، والثانية من عماده في الهبة التي كرّسته مبدعاً، أكان في الحقل الموسيقي، الشعري، الغنائي أم التشكيلي. وجيه نحله لم يطرب العالم بشدوه، لكنه في كل لوحة أسمعنا غناء شجياً، وفي كل ضربة فرشاة موشحاً تسّبح ألوانه الخالق.
معتبرة، ان طبيعته النارية نلمسها في حقبات متعددة من مهاراته الفنية، لا سيما حين الكلمة المستقاة من قدسية الحر ف تتروحن لتصبح ابته
الاً جمالياً وغزلاً صوفيّاً يمجد به اللّه. فكم تزيّت ريشته بهذا الوحي السماوي، يشعلها بشهب ناره الدافقة لتغدو للنظر بركانية، إيروتية على صفاء. ويبقى وجيه نحله ذلك الفنان الملتهب، ولا يحترق، سيّد المساحة البيضاء يلقّمها من الجن الساكن فيه، وحيه، والوحي بات يعرفه، نزوة إليهة لا تكاد تقرع باب إبداعه حتى يحولها آية فنية نادرة.

 تجربة تواقة الى الإعتلاء
ورأت مي منسى، ان وجيه نحله في هذه الحقبة الأخيرة من فنه، الأكثرز بُعداً عن الأرض، والأعمق تنقيباً في أسرار الكون، يبدو وجيه نحله في عالم آخر، يبدل به إصغاءه الأرضي، لدوزنات سمعية تأتيه من فضاء عجيب بشفافيته الناصعة. هو المبتسم دوماً، الراضي على كل تعليق يطاول عمله، يكتفي بأن يستمع إلينا ولا يصحح ما نقوله لتبقى تجربته الفلكية سراً في نفسه التواقة الى الإعتلاء، كحكاية ولادة الكون المثيرة الناطقة بألوانه الشهبية.
وخلصت الى القول، انه إنسان أرضي تعالى حتى أضحى في مغامرة من التصوف  تشدّه الى وسع الكون.

ساحر ينحت في الضوء
اما الأديب جورج مغامس، فاعتبر ان وجيه نحله، هو الساحر مَهَرَ في البَدع، يخترع ويصنع لا على مثالٍ ولا كمِثلِ مَثيلٍ… فيبرع في التوليد تنويعاً وفي التنويع توليداً وفي التلوين تلويناً، ينحت في الضوء وفي جري الخيول، يسقي شجرة المساحات والمسافات نهر الشغف والتعب وكبرياء السيوف، ويُرسل في فضائها عصافير اللمح واللمع وريحاً تلاعب بأمواج وكثبان ونيران بروميتيوس وفتاوى الغيوب… يَرقُشُ أبجدية ممالك النحل وأقراص العسل… يكتب أيقونته!
الدكتور ميشال كعدي، وصف وجيه نحله بالزاهد الذي يدمنه على الفن التشكيلي، ويد أخرى على الحروف والأنوار.
وقبل ان يتسلّم وجيه نحله من ناجي نعمان شهادة التكريم والاستضافة، كانت مداخلة بالمحكية من الشاعر الياس خليل، منها:
كان الزعيم بضيعتي أكبر وجيه
يعيش الحياة بأبّهه وعظَمه وتيه
وهلّق اذا عقدنا الزعامة للفنون
ما بيعترف  لبنان إلا بها لوجيه

وألقى المحتفى به كلمة وممّا جاء فيها: هذا الكم من الجمالات في كلماتكم سيضيف الى ألواني لوناً جديداً… تكريمكم لي تكريم للفن، تكريم لكل مبدع لبناني تخطى الحدود الى العالمية.

اسكندر داغر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق