ذكرىموضة

غدي الرحباني: قد يأتي اليوم الذي يشترون فيه أرض المقابر

سموها ما شئتم… مسرحية، حملة اعلانية، ملحمة غنائية، حملة توعية، صرخة؟ قد تكون كل ذلك طالما أنها تحمل عنواناً لا يحتمل التأويل: «أرضي مش للبيع». موعد اطلاق الحملة كما يصر الملحن والمنتج غدي الرحباني على التسمية تزامن مع عيد استقلال لبنان الـ 70، مما يعكس أهمية العمل وضخامته. ولأننا في زمن الصوت والصورة كان لا بد من ترجمة العمل في كليب يعكس مشهدية الأغنية التي أداها الفرسان الأربعة، وهذا ما سيكتشفه كل من يشاهد عمل «أرضي مش للبيع» التي كتب كلماتها جهاد الأبيض الحداد وأخرجها سمير سرياني فجاءت الصدمة ابداعية، لكن كان لا بد منها.

قبل عام ونصف العام بدأ العمل على أغنية «أرضي مش للبيع». يومها يقول الملحن والمنتج غدي الرحباني أنه أصر على أن يبقى العمل طي السرية لأن التداول بمسألة بيع الأراضي يتم بشكل ضيق ومن زاوية طائفية، «لذلك طلبت من الشاعر جهاد الأبيض الحداد ان يسكت عن العمل لأنني أريدها أن تكون صرخة تشمل كل الطوائف. وفي الوقت عينه بدأت في وضع الألحان بعد اختيار الفرسان الأربعة لتأديتها».

الحملة «الصرخة»
لاحقاً بدأ العمل على تحويل الأغنية إلى حملة وبدأت عملية البحث عن جهات داعمة وأخرى راعية له. وكون العمل وطنياً جامعاً كان لا بد من طرق أبواب الوزارات المسؤولة. واستقر على 6 وزارات هي: الداخلية والبلديات، الثقافة والفنون الجميلة، السياحة، التربية والتعليم العالي، والبيئة، والزراعة. لكن السرية بقيت قائمة إلى أن أعلن عن إطلاق الحملة قبل نحو شهر وحدد التاريخ بأسبوع واحد قبل عيد إستقلال لبنان السبعين. وتماشياً مع ضخامة الحدث ورمزيته تقرر إطلاق الحملة من قلب قصر الأونيسكو. ويقول غدي: «أرضي مش للبيع» هي رسالة أردنا أن نوصلها عبر الصوت والصورة. والمؤسف أن الجيل الجديد يجهل قيمة الأرض على عكس الأجيال القديمة».
إلى متى يمكن ان تستمر عملية بيع الأراضي؟
الجواب لا تطرحه أغنية «أرضي مش للبيع»، والملحن غدي الرحباني أدرك ذلك منذ اللحظة الأولى ويقول: «نحن لا نطرح حلاً من خلال هذه الحملة إنما مشكلة بهدف وضعها أمام الرأي العام والمسؤولين». ويضيف: «لست ضد مبدأ بيع الأراضي، لكن المطلوب تنظيم هذه العملية خصوصاً في كل دول العالم هناك كوتا وقوانين تحدد المساحات المسموح بيعها لغير ابناء البلد، إلا في لبنان».
قد يكون خوف غدي الرحباني  مبرراً كما كل لبناني آمن بأن وجوده يرتكز أولاً على احترام شبر الأرض التي يعيش عليها فكيف إذا «لم أكن أملك شبراً إلا المساحة الصغيرة التي سأرقد فيها الرقدة الأخيرة. و أخشى في أن يزاحمني عليها احد في يوم من الأيام». لكن ما يملكه الرحباني كان كافياً ليطلق صرخته «أرضي مش للبيع»: «أنا  أملك بلدي وانتمائي. وهذا يكفيني».

ندق جرس الانذار
وصول الحملة الغنائية إلى الفرسان الأربعة لم يكن عبثياً، ويقول غدي الرحباني: «قبل عامين أعلنا عن إطلاق عدد من الاغنيات التي تحمل رسالة إنسانية ووطنية. الباكورة كانت مع أغنية خاصة بـ «وهب الأعضاء» بالتعاون مع مركز وهب الأعضاء في لبنان من كلمات حمد أبو ضرغام وألحاني. لكننا اكتفينا في تسجيلها وإنزالها على أشرطة ممغنطة إلى السوق بسبب غياب الدعم لتصويرها على طريقة الفيديو كليب. هذه المرة تكفلت في عملية الإنتاج وكان هناك مساهمون ممن اقتنعوا بمضمون الرسالة مادياً ومعنوياً».
يؤمن غدي الرحباني بأن الرسالة الفنية لا تصل فقط عبر الأغنيات الساخرة أو اعتماد اسلوب النقد «المطلوب أحياناً أن نحك على الجرح حتى لو لم يأتِ بنتيجة. المهم ان ندق جرس الإنذار. وهذا ما تعمدنا أن نفعله في حملة «أرضي مش للبيع». فالمسألة طاولت كل المحرمات ومن يدري قد يصل اليوم الذي نسمع فيه عن بيع أراضٍ تضم رفات أحباب لنا او أخرى مخصصة كمدافن».
نسأل: لماذا كان الإصرار منذ البداية على إيلاء عائلة آل الرحباني هذه «الحملة» ووضعها بين اياديهم؟ ويجيب «منذ أيام عاصي ومنصور والرحابنة يحملون همّ الوطن وقد تركزت أغنياتهم على الأقانيم الثلاثة: الله والوطن والإنسان. وأية أغنية يكتبها ويلحنها الرحابنة هي موجهة للإنسان».

رسالة الفرسان الاربعة
صحيح أن الأغنية هي كلمة ولحن لكنها أيضاً اصوات تصدح لتدخل القلب والأذن منذ الرنة الأولى. إنطلاقاً من هذه القناعة سلم المؤتمنون على رسالة «ارضي مش للبيع» الأغنية إلى الفرسان الأربعة. وفي كلماتهم التي ترددت في صرح الأونيسكو في يوم إطلاق الحملة في حضور ممثلين عن الوزارات الست الداعمة لها أكثر من عبرة خصوصاً أنها تعكس مدى التزامهم بالقضايا الإنسانية والوطنية التي يحملونها في اغنياتهم.
«الأغنية عمل وطني بامتياز ونحن تعودنا على الا نخاف من طرح مطلق اي موضوع حساس يدق على وتر الهم والوجع الإنساني والوطني»، بهذه العبارات خاطب الفنان إيلي خياط جمهوره في حفل إطلاق حملة «أرضي مش للبيع». وأضاف: «أردنا أن تكون أغنية «أرضي مش للبيع» على مستوى وحجم الوجع الذي تحمله والخطر الذي يتهدد الكيان والوجود فيما لو استمرت عمليات البيع في الشكل العشوائي الذي يحصل اليوم. فالأرض في النهاية هي الجذور والإنتماء ولا يمكن التخلي عنها من اجل حفنة من المال».
بدوره أكد نادر خوري أن مسألة بيع الأراضي تعكس وجع كل لبناني يريد أن يبقى في هذه الأرض. «إذا لم نصرخ ستفرغ الأرض من أبنائها. والإنسان بلا أرض لا يساوي شيئاً». وركز سيمون عبيد على رسالة الفرسان الأربعة التي التزموها منذ 8 أعوام في تناول مواضيع لبنانية ووطنية مهمة جداً «وبيع الأراضي واحد منها». وتمنى على كل لبناني أن يتعلم من آبائه وأجداده كيف حافظوا على الأرض «ويللي بيحب لبنان منحبو». في المقابل اعتبر زياد ايماز «أنها المرة الأولى التي تطرح فيها قضية بيع الأراضي بهذه القوة. قد نكون تأخرنا لكن المهم أننا وعينا اليوم قبل أن يضيع منا ما تبقى من هذه الأرض».
عندما وضع جهاد الأبيض الحداد كلمات أغنية أرضي مش للبيع كان على يقين من أنه لن يجد أفضل من عائلة الرحابنة لإيصال الرسالة «المهمة والهادفة» خصوصاً أنها  تضرب على وجع الناس بعدما تفاقمت صفقات بيع الأراضي لغرباء. وحتى تأتي الصورة على حجم الكلمة والصوت اعتمد المخرج سمير سرياني طريقة جديدة لتقديم العمل لكي يأتي على حجم المسؤولية والمضمون الوطني. وعلى رغم القساوة التي عكسها في مشهدية التصوير والتي تشبه السجن كرمز للمكان الذي يعيش فيه كل من ليس له أرض، إلا أنه أصر على أن يكون بهذه القساوة على حد قوله: «لأن الوقت حان لنقول الأشياء على حقيقتها. كفانا تكاذباً والتغني بلبنان الأخضر. الصدمة صارت ضرورية ويجب أن نتمسك بالأرض مهما كانت بشعة».
نعود إلى الملحن غدي الرحباني لنسأل عن المشاريع المستقبلية في إطار الهم الوطني الذي يحمله كفرد من عائلة الرحابنة ويجيب: «كل يوم هناك فكرة جديدة. فلبنان بؤرة مواضيع سياسية وإنسانية وإقتصادية. والمشاكل القائمة في المحيط العربي كفيلة في تظهير مواضيع سواء على صعيد البقاء أو الوجود. أما المعالجة فقد تكون إما على المسرح أو في عمل موسيقي».

ج. ن

العدد ٢٨٢٤ الاثنين ٢٥ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٣ /٢٢ محرم ١٤٣٥

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق