ذكرىموضة

جورج خباز: «غدي» عقدة الماضي والحاضر

ساخر حتى في الوجع الاجتماعي والسياسي والعقائدي الذي يتكلم عنه. وواقعي حتى عندما يحاكي عقد الناس في المجتمع من دون أن يحاكمهم أو يحاسبهم. همه الجوهر وليس القشور، ولا يتردد في الغوص في تفاصيل مطلق أية مشكلة طالما أنه يطرحها من على قاعدة الإختلاف وعدم تقبل الآخر أياً يكن نوع الإختلاف. ومن هذه العقدة المتمكنة في الذهنية اللبنانية كان فيلم «غدي» من كتابة وبطولة جورج خباز. قد لا يكون أول عمل يطرح فيه عقدة الإختلاف، لكن السينما اللبنانية ستتكلم حتماً عن مرحلة ما قبل «غدي» وما بعده. في جلسة الحوار حاولنا تخطي حدود قصة الفيلم لكن في كل مرة كان يعود جورج الى متلازمة الإختلاف في الذهنية اللبنانية ومن هنا كانت تفتح الأبواب على مجتمع غارق في معالجة المشاكل دون الدخول في الأسباب.

في أعمالك تركيز مباشر على موضوع الإختلاف الديني أو السياسي أو الإجتماعي واليوم يبرز الإختلاف الخلقي في «غدي»، فهل تعتبر أن مجتمعنا قائم على عقدة الإختلاف؟
في كل أعمالنا الفنية نلاحظ أن هناك إضاءة مباشرة على النتيجة سواء كان محور الفيلم يدور حول الحروب أو مطلق أية مشكلة إجتماعية ولا يصار إلى البحث عن الأسباب التي تتوقف على عدم تقبلنا لبعضنا البعض. وهذا ما حاولت أن أضيء عليه في فيلم «غدي». فإذا لم نكن قادرين على تقبل الآخر المختلف عنا خُلقياً فكيف يمكن أن نتقبل من يختلف معنا في السياسة أو الدين أو المعتقد؟!

اما فوقية واما شفقة
لكن نظرة الإنسان إلى الآخر المختلف عنه خلقياً بدأت تتقلص؟
أبداً وهناك ثلاثة معايير في نظرة الإنسان العادي الى المختلف عنه خلقياً وقد تكون إما نظرة فوقية أو من باب الشفقة في نكرانه.
هل يمكن ان تقفز المعالجة في موضوع الإختلاف إلى مسألة إزالة نقاط الإختلاف في العلاقات بين الجنسين؟
أنا أرفض إطلاق الأحكام ولا أريد ان أحاسب أحداً خصوصاً، أنا أحكم على الجوهر.
على أي أساس قلت سأخوض تجربة «غدي»؟
خلال عملي مع جمعية «أكسوفيل» التي تعنى بذوي الحاجات الخاصة تقربت منهم واكتشفت مدى صدقهم وفرحهم وغالباً ما تساءلت عن سر هذه المحبة الصادقة التي ينعمون بها وهذه الشفافية حتى اكتشفت أن السر رباني. لكن المجتمع لم ينصفهم والمؤسف انه ينظر إليهم بشكل مختلف عن الأشخاص العاديين مما ينعكس سلباً على الأهل فيخجلون بأولادهم. كل هذا دفعني إلى ان أتحدى نفسي وأبدأ في كتابة نص فيلم «غدي».
اللافت أنه منذ بدء الإعلان عن الفيلم بدا واضحاً الإقبال والتعاطف مع النص فهل يعود ذلك إلى كون الفكرة تلامس واقعاً إنسانياً؟
فلنكن واضحين. لا شك في أن المسرح خلق حالة من الثقة بين الجمهور وبيني واستشعر من خلال أعمالي السابقة على الخشبة ما سيكون مضمون عملي في السينما. أضف إلى ذلك الإعلان الذي سبق موعد عرض الفيلم وتبين أنه منفذ بشكل إحترافي وهو من نوع الكوميدي الساخر.
كيف تمكنت من إقناع إيمانويل خيرالله الذي يؤدي دور الطفل «غدي» وهل وجدتم صعوبة في تدريبه على أداء دوره؟
لا بد من توجيه كلمة شكر وتحية إلى المخرج أمين درة الذي اشتغل مع إيمانويل خيرالله واستطاع أن يفجر أجمل ما عنده من طاقات. لكن هذا لا يلغي القدرات الكامنة عند إيمانويل فهو يتمتع بطاقات إبداعية وذكاء حاد. وساهم في إضفاء أجواء من الحماسة الإيجابية خلال التصوير.

اولاد مسجونون
ربما لأنه لم يعان من عقدة الإختلاف على عكس ما حاولت تظهيره؟
أقسم بأن هناك أولاداً مسجونين داخل غرفهم بسبب خوف الأهل وخجلهم من إظهار أولادهم المختلفين امام الناس. بينما أنا وضعت «غدي» على شباك البيت من دون أن أخجل بشكله أو تصرفاته.
ساهمت في إعادة وجوه فنية كبيرة كانت غائبة عن الشاشة فكيف تمكنت من إعادتها إلى الضوء؟
أثناء كتابة السيناريو فكرت بأسماء الممثلين وتساءلت عمن يمكن ان يؤدي الأدوار. في البداية فكرت بالممثل الكبير أنطوان ملتقى وقررت أن أسند إليه دور أستاذ الموسيقى خصوصاً انه استاذي في المسرح، واعتبرت أن هذه الإلتفاتة ستكون بمثابة التكريم لممثل أعطى الكثير لكن ظروف الحرب أبعدته عن الأضواء. في البداية رفض الدور لكن بعدما قرأ النص قرر أن يكون جزءاً من الرسالة. أما الكاتبة منى طايع فاتصلت بها من باب الصداقة التي تربطني بها، وعندما قرأت النص، استفزها إلى درجة أنها بكت وهذا نادراً ما يحصل مع الكاتبة والممثلة منى طايع، فوافقت على الفور. أما الممثل كميل سلامة فهو يلعب دور الحلاق ومعروف عنه أنه ينتقي ادواره وهذا ما أضفى تميزاً على حضوره.
هل تعتبر أنه لا يزال ينقص السينما اللبنانية الكثير على رغم كل القفزات التي خطتها؟
لا أبالغ القول بأن «غدي» شكل مرحلة مهمة في السينما اللبنانية على كل المستويات التقنية والنص والتمثيل والإخراج وقد بلغت كلفة إنتاجه مليوناً ونصف المليون دولار.
وكأنكم واثقون بأن الجمهور اللبناني سيفيكم حقكم وسيساهم في استرداد كلفة الفيلم؟
طبعاً كلي أمل بالجمهور اللبناني لأن مشكلة السينما اللبنانية هي المال. وإذا ما فكر مطلق أي رجل أعمال في إنتاج فيلم لبناني، عليه أن يكون مؤمناً بالسينما اللبنانية وبرسالة الفيلم تماماً كما حصل مع منتج فيلم «غدي» غبريال شمعون الذي أعطى من قلبه لأنه آمن برسالة الفيلم.

تشجيع السينما اللبنانية
ثمة من يقول أنه يجب أن نشاهد مطلق أي فيلم لبناني بهدف التشجيع. هل توافق على هذا القول؟
طبعاً  لأن المطلوب تشجيع السينما اللبنانية أما نتيجة العمل فتترك للجمهور القادر على غربلته وانتقاء الأفضل.
وهل تنسحب هذه الحماسة على خياراتك خصوصاً أنك لم تتوقف يوماً عن الكتابة والتمثيل على رغم كل الظروف التي تمر بها البلاد؟
صحيح لأنني مؤمن بأن هذا الشعب الذي لم يتخاذل أو يتراجع يوماً عن حب الحياة يستحق أن نقدم له المادة التي تشجعه على ذلك. وهذه عظمة الشعب اللبناني عدا عن أنه تواق للحياة بكل وجوهها خصوصاً الثقافية منها.
بين المسرح والسينما والتلفزيون أين تكمن الأولوية؟
النشوة الحقيقية تكمن في المسرح حيث الإحتفالية البشرية التي لا تعوض والتلاقي المباشر مع ضحكات الجمهور وردات فعلهم المباشرة. ويكفي أنه قادر على جذب الناس إليه وهذه قيمة في حد ذاتها. تليه السينما التي تخلد الأعمال في الذاكرة والتاريخ. أخيراً التلفزيون الذي يتميز بخصوصية كونه موجوداً في كل بيت.
ولماذا لم تحول «غدي» إلى عمل مسرحي او تلفزيوني؟
لأنني فكرت بأن العمل سيفقد من قيمته فيما لو تم تنفيذه للتلفزيون لأنه سيفقد الكثير من خلال إطالة مدة العرض. ومع أني كنت افضل تحويله إلى عمل مسرحي إلا أنني اكتشفت ان هذا الأمر مستحيل إذ لا يمكن الرهان على إمكانية عطاء الطفل إيمانويل بالحماسة عينها كل ليلة.

الإطالة لتعبئة الوقت
على سيرة الدراما هل تعتبر انها اقتربت من مستوى الإحترافية والمنافسة على مستوى الدراما العربية؟
هناك مشكلة متمكنة في الدراما اللبنانية عنوانها الإطالة لتعبئة الوقت واللغة الإخراجية مما يفقد القصة عنصر المفاجأة وهي الأهم لدى المتلقي.
هل تعمدت محاكمة المجتمع اللبناني أو محاكاته من خلال فيلم «غدي»؟
أنا مجرد إنسان عادي في هذا المجتمع ولست بمصلح إجتماعي. لكن موهبة التمثيل تدفعني إلى تحويل المشاكل إلى مشهدية لتكون مرآة للمجتمع وأترك للمشاهد حرية اختيار الشخصية التي تجعل منه بطل القصة فإما أن يبكي على نفسه او يضحك على نفسه او يقوم في إلقاء العلة الموجودة في داخله على الشخصية؟
عادة ما تكون ممثلاً وكاتباً في  الوقت عينه هل يساعدك ذلك على تطويع الشخصية اكثر؟
طبعاً لأن كل شيء يكون جاهزاً وأصر على عدم إضافة كلمة واحدة لأنني أحترم النص.
حمسك هذا الفيلم على كتابة سيناريو ثان وثالث للسينما اللبنانية؟
طبعاً وحماستي مخيفة، فالأفكار تدور في رأسي مثل الطاحونة.
وعن أي اختلاف ستتكلم؟
أفكر في كتابة نص عن الإنسان الذي تفرض عليه الظروف أن يكون موجوداً في غير بيئته.
وهل تعتبر أنك ولدت في بيئتك الصحيحة؟
طبعاً أنا محظوظ في بيئتي وطماع من الناحية الفنية.
هذا يعني اننا على موعد مع عمل مسرحي جديد؟
صحيح وهو بعنوان «ناطرينو» ويتكلم عن صراع الأجيال وانتظارها الدائم للفرح.

ج. ن

العدد ٢٨٢٣ الاثنين ١٨ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٣ /١٥ محرم ١٤٣٥

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق